بين الحقيقة والتزييف ـ عين بوابة صيدا على المنصات
تناقلت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي قصة دراماتيكية تزعم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعمد إرسال وزيرة الأسرة "ماهينور غوكتاش" لاستقبال رئيس وزراء هولندا في قمة الناتو رداً على احتجازها ومنعها من دخول هولندا بسبب حجابها عام 2017.
"بوابة صيدا" تتبعت الخيوط التاريخية لتبين أن المنشور يدمج بين حادثتين مختلفتين، فالوزيرة التي طُردت من هولندا عام 2017 هي "فاطمة بتول" بسبب أزمة التجمعات الانتخابية وليس الحجاب، في حين أن الوزيرة الحالية "ماهينور غوكتاش" هي نائبة سابقة في البرلمان البلجيكي، ووجودها في القمة الدولية يأتي في سياق بروتوكولي طبيعي نظراً لإتقانها اللغات الأوروبية.
1. أزمة آذار / مارس 2017 الشهيرة (حقيقة المنع)
الواقعة التي تتحدث عنها منصات التواصل حدثت بالفعل في آذار (مارس) 2017، ولكنها لم تخص الوزيرة "ماهينور غوكتاش"، بل تخص وزيرة تركية أخرى هي "فاطمة بتول صيان قايا" (مواليد 1981م) التي كانت تشغل منصب وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية آنذاك (2016-2018).
ماذا حدث حينها؟ سافرت الوزيرة "فاطمة بتول" بالبر من ألمانيا إلى هولندا لإلقاء كلمة في تجمع جماهيري لأبناء الجالية التركية في مدينة روتردام لدعم التعديلات الدستورية التركية.
قامت السلطات الهولندية بمنع سيارة الوزيرة من الوصول إلى القنصلية التركية، واحتجزتها لعدة ساعات، ثم اعتبرتها "شخصاً غير مرغوب فيه" واقتادتها الشرطة الهولندية بمرافقة أمنية حتى الحدود الألمانية لترحيلها، مِمّا فجّر أزمة دبلوماسية طاحنة بين أنقرة وأمستردام في ذلك الوقت.
المنع لم يكن بسبب "الحجاب" على الإطلاق، بل كان بسبب رفض هولندا إقامة تجمعات سياسية وانتخابية لمسؤولين أتراك على أراضيها قبل الاستفتاء الدستوري التركي.
2. من هي الوزيرة "ماهينور غوكتاش"؟
الوزيرة الحالية للأسرة والخدمات الاجتماعية في تركيا هي "ماهينور أوزدمير غوكتاش" (مواليد عام 1982م) وقصتها مع الحجاب بالفعل شهيرة جداً في أوروبا ولكن في بلد آخر وهو بلجيكا وليس هولندا.
ماهينور غوكتاش هي سياسية بلجيكية من أصول تركية، ودخلت التاريخ عام 2009م كأول نائبة محجبة في البرلمان البلجيكي (وبرلمان بروكسل).
عانت من تضييقات سياسية في بلجيكا بسبب مواقفها، واستبعدت لاحقاً من حزبها البلجيكي، لتنتقل بعد سنوات إلى العمل الدبلوماسي والسياسي في تركيا، وعيَّنها الرئيس أردوغان وزيرة للأسرة في التشكيل الوزاري لعام 2023.
3. حقيقة لقطة استقبال رئيس وزراء هولندا في قمة الناتو
الادعاء بأن أردوغان "تعمد إرسالها بدلاً منه لإغاظة هولندا" يحمل خلطاً بروتوكولياً:
في قمم الناتو (مثل القمة التي عُقدت مؤخراً)، يقضي البروتوكول الدولي بأن الوفود الرسمية للدول تضم وزراء من الحكومة (الخارجية، الدفاع، أو الأسرة بحسب الملفات المناقشة)، ويكون هناك وزراء ومسؤولون مخصصون لمرافقة أو استقبال القادة بشكل بروتوكولي روتيني.
لم تذهب الوزيرة "بدلاً من أردوغان"، فالرئيس التركي يحضر القمة بنفسه ويلتقي القادة، ووجود الوزيرة "ماهينور غوكتاش" (التي تتحدث الفرنسية والهولندية والإنجليزية بطلاقة بحكم نشأتها الأوروبية) في الوفد هو أمر طبيعي جداً للاستفادة من خبرتها الدبلوماسية في التواصل مع القادة الأوروبيين (ومن بينهم رئيس وزراء هولندا)، وليس خطة "إغاظة" شخصية خارجة عن العُرف الدبلوماسي.