المطران عطا الله حنا ـ رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس ـ القدس ـ بوابة صيدا
لقد تم الإعلان عن اتفاق ما بين أمريكا وإيران، ونتمنى أن يؤدي هذا بالفعل إلى وقف كافة مظاهر الحروب في هذه المنطقة، كما نتمنى ونطالب بأن ينعكس هذا الاتفاق إيجاباً على شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة، لا سيما أن القضية الفلسطينية هي مفتاح السلام في مشرقنا وفي عالمنا.
ويبدو أن هنالك في عالمنا من يتجاهلون القضية الفلسطينية ويسعون إلى تصفيتها، وفي مقدمتهم القيادة السياسية في إسرائيل ومن يقف معها في هذا العالم.
إن وقف الحرب الأمريكية الإيرانية هو بحد ذاته حدث جيد، لأن الحروب لا يدفع فاتورتها إلا المدنيون، ولكن وجب التأكيد بأن قضية الشعب الفلسطيني ما زالت عالقة، والفلسطينيون يتعرضون لكم هائل من المؤامرات ومشاريع تصفية قضيتهم، وهذه سياسة لن توصلنا إلى السلام المنشود، الذي من المفترض أن يكون مبنياً على العدالة والاحترام وصون حرية الإنسان وكرامته.
خلال الأيام المنصرمة كانت لنا زيارات إلى نابلس ورفيديا والخليل ودورا، كما وغيرها من الأماكن في الضفة الغربية، وما يلمسه أي إنسان يتوجه إلى هذه المدن والبلدات والمحافظات الفلسطينية هو كثرة البوابات الحديدية والحواجز العسكرية، فقد تحولت الضفة الغربية بسبب هذه البوابات والحواجز إلى سجن كبير، حيث يُمنع الإنسان الفلسطيني من أبسط حقوقه، وهي حرية التنقل من مكان إلى مكان.
غزة المنكوبة تعاني من سياسة التجويع والتنكيل، حيث يقول بعض الساسة الإسرائيليين إنه يجب الضغط على أهلنا في غزة حتى يرحلوا من بلدهم، وهذا يعني أن ما يحدث حالياً في غزة هدفه إحداث هجرة قسرية أو ما يسمى بالهجرة الطوعية، وهذا لن يحدث لأن أبناء القطاع متمسكون بانتمائهم لأرضهم وبلدهم. ولكن مسألة الصمود والبقاء في الأرض لا يجوز أن تتحول إلى شعار يتغنى به البعض، فالصمود يحتاج إلى مقومات، وما يطلبه أهل القطاع في هذه الأوضاع المأساوية والكارثية التي يعيشونها هو أن تصلهم المؤن والأدوية المطلوبة، وأن يتم التفكير بشكل جدي في إغاثة أهلنا هناك، وكذلك التفكير في إعادة الإعمار.
فلا يجوز أن يُترك أهلنا في غزة لوحدهم، بل يجب الوقوف إلى جانبهم وهم يعيشون في سجن كبير، وتُمنع كافة مقومات الحياة الأساسية من الوصول إليهم، وكأنه يُراد تجويعهم وإذلالهم والنيل من معنوياتهم.
إن معاناة أهل غزة ليست حدثاً عابراً، كما أنها ليست خبراً عاجلاً، بل هي مأساة شعب، حيث يعيش أكثر من مليوني إنسان في ظل أوضاع كارثية، وما أكثر أولئك الذين فقدوا حياتهم ودُمِّرت منازلهم، ولم يبقَ لهم شيء سوى كرامتهم وإبائهم وتشبثهم وتمسكهم بأصالة وجودهم في القطاع الذي ينزف دماً.
الاعتداءات على القطاع لم تتوقف، والشهداء يرتقون في كل يوم، ودماء الإنسان الفلسطيني في غزة ليست رخيصة، كما أن الشهداء ليسوا أرقاماً، ووجب الاهتمام بما يحدث في غزة والعمل على إغاثة ومساعدة شعبنا المنكوب هناك.
أما ما يحدث في الضفة الغربية، فهنالك حصار محكم وبوابات تحيط بالضفة في كل مكان، وحتى داخل الضفة أصبح الانتقال من مكان إلى مكان أمراً في غاية الصعوبة.
فكما أن القطاع هو سجن كبير، يبدو أنه يُراد أيضاً تحويل الضفة الغربية إلى سجن كبير، حيث أصبحت أمنية الفلسطيني أن يصل إلى القدس، وهذا ما قاله لي أصدقاء في منطقة الخليل ونابلس، بأنهم محرومون منذ سنوات طويلة من الوصول إلى القدس، ومن الوصول إلى أعمالهم وأشغالهم.
أين هي العدالة في كل هذا؟ فالعدالة مغيبة، والفلسطينيون يتعرضون للمظالم في كافة تفاصيل حياتهم، والأسوأ من كل هذا هو أن من يتحدث عن الشعب الفلسطيني ومعاناته مهدد بالملاحقة والمساءلة والاعتقال، كما وغير ذلك من الأساليب الهادفة إلى كمّ الأفواه.
أن تكون ظالماً فهذه جريمة، ولكن أن تعمل على إسكات الأصوات المنادية برفع هذا الظلم، فهذا تكريس للظلم وإمعان في السياسات العنصرية والقمعية التي تستهدف شعبنا. إن تنادي برفع الظلم عن شعبنا انما هذا هو واجب إنساني وأخلاقي، وليس شأناً سياسياً فحسب، فنحن ككنيسة واجبنا أن ندافع عن الإنسان المظلوم، وأن ننادي بالحرية والكرامة والأمن والأمان والسلام لشعب يعيش في ظل أوضاع كارثية ومأساوية.
أما مسألة التصاريح من أجل الوصول إلى القدس، فقد باتت مسألة في غاية الصعوبة، والكثيرون من أبنائنا يطالبون بالحصول على مثل هذه التصاريح لكي يصلوا إلى أعمالهم وأشغالهم وإلى قدسهم ومقدساتهم.
مئات العائلات تعاني من الفقر والعوز بسبب البطالة، وبسبب عدم قدرة المعيل على الوصول إلى عمله في القدس وفي مناطق الداخل.
ولا أبالغ إذا ما قلت بأن هنالك عائلات تعيش حالة من الفقر والعوز والتجويع والتنكيل لا يمكن قبولها بأي شكل من الأشكال.
يتصل بنا أحبتنا من محافظة بيت لحم وهم يستغيثون ويقولون بأننا لا نملك مالاً لشراء الغذاء والحليب والأمور الحيوية لأطفالنا، وما نريده فقط هو الحصول على التصريح الذي يجعلنا قادرين على الوصول إلى أشغالنا وأعمالنا.
أطالب رؤساء الكنائس بأن يثيروا هذه القضية عالمياً، ويجب أن تتم معالجة هذه القضية بسرعة، فلا يجوز أن يبقى أبناؤنا فريسة للجوع والفقر والعوز.
يحق لكل فلسطيني أن يتمتع بحرية الوصول إلى القدس وإلى أماكن عمله، ولا يجوز أن يُعاقب الفلسطيني من خلال منعه من الوصول إلى المكان الذي من خلاله يعيل أسرته وأبناءه.
نحن نعيش في ظل سياسة ممنهجة هدفها إذلال الإنسان الفلسطيني وتجويعه والنيل من معنوياته وإرادته، وكأن الاحتلال يقول للفلسطينيين العاطلين عن العمل: هنالك حل وحيد أمامكم، وهو أن تحزموا أمتعتكم وتغادروا بلدكم.
يُراد للفلسطيني أن يغادر أرضه، وهنالك بالفعل من غادروا لأنهم يفتشون عن حياة أفضل وعن مكان يعيشون فيه بأمن وأمان بعيداً عن البوابات والحواجز العسكرية، ولكن ما قيمة فلسطين بدون إنسانها؟ ففلسطين ليست حجارة صماء، بل هي الإنسان الفلسطيني الذي يجب أن يبقى في بلده.
وأنا لا أبالغ إذا ما قلت بأن فلسطين هي أجمل مكان في هذا العالم، ولكن ما ينقصنا هو احترام حياة الإنسان الفلسطيني وكرامته وحقه المشروع في أن يعيش بحرية. ما ينقصنا هو السلام المنشود، والذي يبدو أننا بعيدون عنه كثيراً في ظل ما يُمارس بحق الإنسان الفلسطيني من استهداف يطاله في كافة تفاصيل حياته.
الفلسطينيون جميعاً يعيشون محنة مروعة، ولعل ما يعيشه شعبنا اليوم إنما يذكرنا بنكبة عام 1948، بل إن ما نعيشه اليوم هو امتداد لتلك النكبة، حيث يُراد للفلسطيني أن يعيش في ظل معاناة وآلام وأحزان مستمرة ومتواصلة.
إن العرب جميعاً، قيادات وشعوباً، يجب أن ينادوا برفع هذه المظالم عن شعبنا، كما أن الأحرار في كل مكان والمؤسسات الدينية والحقوقية يجب أن تنادي برفع هذه المظالم عن شعبنا لكي يعيش الإنسان الفلسطيني حياة طبيعية مثل باقي شعوب العالم.
ونذكر من يحتاجون إلى تذكير بأن السلام الحقيقي لا يحتاج إلى أسوار فصل عنصري، ولا يحتاج إلى بوابات حديدية وحواجز عسكرية، فالسلام الحقيقي يحتاج إلى احترام حقوق شعبنا وثوابته وانتمائه لهذه الأرض، وحقه المشروع في أن يعيش بسلام في أرضه المقدسة.