بقلم مدير المركز اللبناني للابحاث والاستشارات ـ حسان القطب
منذ بضعة سنوات، ومع تعطيل الحياة السياسية في لبنان كما جرت العادة عند كل استحقاق دستوري، او انتخابي، بدا بعض المرتبطين، او الطامحين للعب دور سياسي يتجاوز حجمهم، يحاولون تقديم خدمات لمحور طهران، بطرح عقد لقاء على مائدة عشاء في السفارة السويسرية في بيروت، تحت عنوان فتح ثغرة في جدار الانقسام اللبناني، واطلاق جدول نقاط للحوار يتعلق بمستقبل لبنان وعلاقات المكونات اللبنانية بين بعضها البعضن وصولا الى تعديل الدستور وارساء قواعد ترتيب عقد اجتماعي جديد...
وكان سبق للمفتي الجعفري الممتاز (احمد قبلان).. أن اعتبر في عام 2020 أن اتفاق الطائف (الذي أُقر عام 1989) إلى جانب ميثاق 1943 كانا بمثابة "خطأ تاريخي" وصيغة طائفية واستبدادية تخدم مصالح استعمارية انتهت صلاحيتها.. واعتبر أنّ "لبنان الذي بناه بشارة الخوري ورياض الصلح لم يعد يصلح لدولة إنسان ومواطن وهذه مرحلة انتهت، ونحن مطالَبون لحماية البلد وانقاذ لبنان وتأكيد العيش المشترك بإسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة لا طائفية"...
تزامنت هذه التصريحات مع الدعوة للقاء سياسي على المائدة السويسرية، في سفارتها في بيروت، من قبل جمعية ظاهرها انساني حواري، سويسرية الهوية، ولكن فرنسية الهوى والهويبة والمضمون.. ونشط فريق تابع لحزب الله واخر يعمل تحت سقف هذا المشروع غير المقبول، لجمع مجموعة من السياسيين من مختلف الطوائف والمذاهب، وتم اختيارهم بعناية بحيث يكون لحزب الله اليد العليا في هذا اللقاء، وان يكون لدى الآخرين الرغبة او القبول بالسعي لتعديل او تغيير الدستور، التزاماً بالوصية او التوصيفات التي اطلقها المغتي الجعفري..
فشل عقد اللقاء، وتم صرف النظر عن الدعوة بعد ان تبين ان الهدف منه ليس البحث عن حل للازمة اللبنانية، بل لتدجين الآخرين لصالح قوى محور طهران، وتقديم صيغة عقد اجتماعي جديد، لا يقوم على المثالثة فقط كما كان يطالب احد قادة حزب الله في لقاءٍ عقد في فرنسا قبل عقدين من الزمن تقريباً.. بل لتغيير الواقع السياسي اللبناني تماماً.. من خلال الاتفاق على عقد اجتماعي وسياسي جديد..!!
وتبين ان هناك وعوداً بتوزيع مناصب ومقاعد نيابية ووزارية واستشارية، مقابل الانخراط في هذا العشاء الحواري الذي يبدأ في سفارة سويسرا في بيروت بمراقبة ومتابعة وانخراط فرنسي غير مباشر..!! لخدمة مصالح فرنسا في لبنان والشرق الاوسط، والحصول على عقود استثمارية وخدماتية تعطى للشركات الفرنسية مقابل هذا الدور السيء الذكر..
فشل عقد اللقاء كما اشرنا وتوقف الحديث عنه تماماً وتنصل بعضهم من التورط في الدعوة اليه او في العمل على تأمين عقده وحصوله... واليوم وبعد المفاوضات الاميركية- الايرانية في سويسرا.. بدأت رؤوس الفتنة والعبث بالصيغة اللبنانية تطل برأسها من جديد لتعويم فريق سياسي خسر الهيمنة على الواقع اللبناني، بعد عقدين كاملين من التسلط والاستعلاء ورعاية الفساد حتى وصلنا الى ما وصلنا اليه من انهيار مالي واقتصادي وفلتان امني، وحروب مدمرة وخراب غير مسبوق وازمة اجتماعية لا احد يعرف تماماً حجمها او تداعياتها الا بعد ان ينجلي غبار هذه الحرب الضروس على لبنان وشعبه..
ان عقد اي لقاء سواء في سفارة سويسرا او في جنيف كما بدا الترويج له الان، والعمل على ترتيب واقناع من يقبل بالمشاركة في هذه الوصفة الخطيرة لتغيير الواقع اللبناني تحت ذريعة تقريب وجهات النظر بين المكونات اللبنانية وارضاء فريق يعتبر نفسه الخاسر الاكبر بعد الحروب التدميرية التي خاضها في العراق واليمن وسوريا ولبنان وعلى جبهة الجنوب اللبناني.. لا يمكن ان تشكل علاجاً للواقع اللبناني المأزوم بسبب الثقافة العدائية والتغذية المتواصلة لروح المواجهة واستعمال مفردات التهديد والتخوين والتلويح بالفوضى واثارة القلق والخوف في الداخل اللبناني كما في الخارج الحريص على استقرار لبنان واعادة الحياة الى ساحته السياسية والاقتصادية وترتيب بيته الداخلي..
لن نقبل بعقد اي لقاء من هذا الشكل، هناك دستور يجب الالتزام به، ونصوص دستورية وقانونية تنظم العلاقات بين المؤسسات الدستورية يجب احترامها، وتطبيقها ومن ثم البحث عن تعديلات لازمة او ضرورية.. اما استخدام لغة التهديد وممارسة التعطيل المنهجي لكل استحقاق دستوري سواء كان رئاسي او حكومي.. والتلاعب بالتشكيلات الادارية.. لن يجدي نفعاً فقد تبين للجميع ان هذا الفريق انما يخدم مشروعاً خارجياً اقليمياً عدائياً.. وهذا ليس اتهاما بل تصريحا علنيا صدر عن اعلى المستويات الحزبية في لبنان كما على لسان قادة ايران..
لا والف لا.. لأي لقاء سويسري الشكل، فرنسي الهوي، ايراني المضمون....!!