توثيق القسم التاريخي في بوابة صيدا
في مثل هذا اليوم، 28 حزيران / يونيو 1914م (5 شعبان 1332هـ) وقبل قرن ونيّف من الزمان، انطلقت رصاصتان من مسدس طالب صربي غاضب في شوارع سراييفو لتستقرا في جسد ولي عهد النمسا وزوجته.
لم يكن ذلك الطالب يعلم أن ضغطة إصبعه الصغيرة على الزناد ستكون بمثابة الصاعق الذي يفجّر برميل البارود الأوروبي، ويقود البشرية إلى أضخم محرقة عسكرية عرفتها حتى ذلك الوقت.
لم تكن حادثة الاغتيال سوى القشة التي قصمت ظهر السلم العالمي، إذ كان العالم يغلي تحت وطأة سباق تسلّح محموم، وتحالفات سرية مخيفة، وصراع شرس على النفوذ والمستعمرات.
تنبش "بوابة صيدا" في هذا التقرير الشامل كواليس الساعات التي سبقت اندلاع "الحرب العظمى" وتكشف كيف تحوّل خلاف إقليمي في البلقان - في ظل غياب الحكمة السياسية وتعاظم النزعات القومية - إلى إعصار مدمر التهم 20 مليون إنسان، وأطاح بأربع إمبراطوريات تاريخية، ليعيد رسم خارطة العالم، ويزرع من فوق أنقاض المعاهدات المجحفة بذور حرب عالمية ثانية أكثر دموية.
فما هي الدروس الحية التي تركتها لنا رصاصات سراييفو في واقعنا الدولي المعاصر؟
في 28 حزيران 1914م (5 شعبان 1332هـ) قام الأرشيدوق "فرانز فرديناند" ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية، وزوجته "صوفي" بزيارة رسمية إلى مدينة سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك التي ضمتها النمسا إليها عام 1908م.
تعرض موكب الأرشيدوق لمحاولة اغتيال أولى بقنبلة ألقاها أحد المتآمرين لكنها أخطأت السيارة. بعد تبديل المسار، تاه السائق العسكري بالخطأ ودخل في شارع ضيق، فتوقفت السيارة تماماً أمام مقهى كان يجلس فيه الطالب الصربي "جافريللو برنسيب".
استغل "برنسيب" الفرصة الفريدة، وتقدم خطوتين وأطلق رصاصتين من مسدسه من مسافة قريبة جداً، أصابت الأولى الأرشيدوق في رقبته، والأخرى زوجته في بطنها، ليموتا خلال دقائق.
كان الدافع سياسياً قومياً بحتاً، تمثّل في رغبة القوميين الصرب في تحرير البوسنة والهرسك من الهيمنة النمساوية المجرية، ودمجها في دولة موحدة لـ "السلاف الجنوبيين" (يوغوسلافيا الكبرى) بزعامة مملكة صربيا.
ولد "جافريللو برنسيب" في 25 تموز / يوليو 1894م (22 محرم 1312هـ) لعائلة فلاحية صربية فقيرة في البوسنة.
عانى من مرض السل منذ صغره.
انتمى سياسياً إلى حركة "البوسنة الشابة" وهي حركة ثورية قومية تلقت دعماً وتسليحاً من منظمة "اليد السوداء" السرية التابعة للمخابرات العسكرية الصربية.
"برنسيب" لم يكن سياسياً محنكاً بل كان "أداة" أيديولوجية، لكن رصاصتيه غيرتا مجرى التاريخ البشري.
ألقي القبض على "برينسيب" وتمت محاكمته، وقال أثناء محاكمته: "أنا يوغوسلافي قومي، أهدف لتوحيد جميع اليوغوسلاف، وأنا لا يهمني ما شكل الدولة، ولكن يجب أن نتحرر من النمسا".
لم يتم إعدامه لأنه كان قاصرا حيث كان عمره تسع عشر سنة (أكمل عامه العشرين قبل بدء الحرب بثلاثة أيام)، و كان سن الرشد آنذاك 21 سنة أو يزيد.
توفي خلف القضبان بسبب مرض "السل" في 28 نيسان / أبريل 1918م (17 رجب 1336هـ) قبل أشهر قليلة من نهاية الحرب التي أشعلها.
أدى اغتيال "فرديناند" إلى توتر في علاقات الدول الأوربية فيما بينها، فقد كانت أوروبا تعيش ما يُعرف بـ "السلام المسلح" حيث بدت القارة في قمة ازدهارها الاقتصادي والصناعي، لكنها كانت تخفي تحته انقسامات حادة.
انقسمت القارة إلى معسكرين متنافسين، وضاعت لغة الدبلوماسية بسبب غياب "التوازن الدولي" الذي صاغه مستشار ألمانيا التاريخي بيسمارك.
و احتدم التنافس التجاري الشرس بين بريطانيا (القوة الاقتصادية التقليدية) وألمانيا الصاعدة بقوة صناعية هائلة تحتاج إلى أسواق ومواد خام.
و عاشت الدول حالة استنفار مستمر، ووضعت هيئات الأركان خططاً هجومية استباقية سريعة (مثل خطة شليفن الألمانية) تعتمد على التعبئة العامة الفورية.
لم تكن حادثة سراييفو سوى السبب المباشر، أما الأسباب العميقة فتلخصها عقيدة العلاقات الدولية في أربعة عوامل:
التحالفات السرية: تحولت المعاهدات المتبادلة إلى فخ، فأي صراع بين دولتين يجر القارة بأكملها إلى الحرب تفعيلاً لبند الدفاع المشترك.
النزعة القومية المتطرفة: تصاعدت الروح القومية في البلقان (برميل بارود أوروبا)، وزادت النزعة الشوفينية بين الشعوب الأوروبية التي باتت ترى الحرب فعلاً مجيداً.
الإمبريالية والتنافس الاستعماري: الصدام حول اقتسام المستعمرات في أفريقيا وآسيا.
السباق التسليحي: السباق البحري المحموم بين بريطانيا وألمانيا لبناء البوارج الحربية العملاقة وتعاظم نفوذ الجنرالات داخل الحكومات.
انقسم العالم إلى جبهتين رئيسيتين:
دول الحلفاء ويضم: بريطانيا العظمى، فرنسا، وروسيا القيصرية.. وانضم لاحقا: إيطاليا (1915)، الولايات المتحدة الأمريكية (1917)، واليابان، ورومانيا، واليونان.
دول الوسط (المحور) ويضم: الإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية النمساوية المجرية، وانضم لاحقا: الدولة العثمانية (1914) ومملكة بلغاريا (1915).
من أسباب انتصار "الحلفاء":
* فرض الأسطول البريطاني حصاراً بحرياً خانقاً على ألمانيا، مما أدى إلى تجويع شعبها وشلّ صناعتها العسكرية لنقص المواد الخام.
* انضمام أمريكا إلى الحرب في عام 1917م حيث ضخت في الجبهة الغربية آلاف الجنود، والتمويل المالي، والعتاد، في وقت كانت فيه الجيوش الأوروبية قد أُنهكت تماماً.
* امتلاك الحلفاء مستعمرات شاسعة زودتهم بالموارد البشرية والاقتصادية المستمرة، مقارنة بعزلة دول المحور الجغرافية.
* والسبب الأهم، الانهيار الداخلي، فقد تفككت الجبهات الداخلية لدول الوسط، فاندلعت الثورة في ألمانيا (سقوط القيصر) وتفككت النمسا المجرية عرقياً قبل الاستسلام العسكري، وأيضاً كانت الدولة العثمانية تعاني من التفكك الداخلي.
سقط في هذه الحرب اربع إمبراطوريات تاريخية، آل رومانوف في روسيا، آل هوهنتسولرن في ألمانيا، آل هابسبورغ في النمسا، وسقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة.
بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب، قامت فرنسا وبريطانيا وروسيا، بتقسيم أملاك الدولة العثمانية في الشام والعراق عبر اتفاقية "سايكس بيكو" وزرع بذور الصراع في فلسطين عبر "وعد بلفور"، وسيطرت روسيا على الدول الإسلامية التي اصبحت فيما بعد ضمن ما يسمى الاتحاد السوفياتي..
وفرض "الحلفاء" اتفاقية فرساي المجحفة عام 1919م بشروط إذلالية وقاسية جداً على ألمانيا وحلفائها (تعويضات هائلة، خسارة أراضٍ، تجريد عسكري)، مما خلق شعوراً عارماً بالرغبة في الانتقام لدى الشعب الألماني، وهو ما استغله أدولف هتلر بدقة للوصول للسلطة، لتمهد الحرب الأولى الطريق مباشرة لاندلاع "الحرب العالمية الثانية" عام 1939م.
و نصت المعاهدة (اتفاقية فرساي) في جزئها الأول على إنشاء عصبة الأمم، وهي منظمة دولية اقترحها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، بهدف تعزيز التعاون الدولي، ومنع نشوب حروب مستقبلية، وحل النزاعات بالطرق الدبلوماسية
تُعد الحرب العالمية الأولى واحدة من أكثر النزاعات دموية في التاريخ البشري (في وقتها) نتيجة استخدام التكنولوجيا الصناعية في القتل (المدافع الرشاشة، الغازات السامة، الدبابات)..
تراوح إجمالي ضحايا الحرب بين 20 مليوناً إلى 22 مليون قتيل (من عسكريين ومدنيين).
و أكثر من 21 مليون جريح، تركوا عاهات مستديمة جسدية ونفسية في جيل كامل عُرف بـ "الجيل الضائع".
خسرت ألمانيا وروسيا أكبر عدد من الجنود (أكثر من 1.7 مليون جندي لكل منهما)، تلتها فرنسا بنحو 1.3 مليون جندي.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
ثلاثة أيام من الجحيم: قصة مذبحة بياليستوك التي سفك فيها الروس دماء اليهود لحماية عرش القيصر