توثيق القسم التاريخي في بوابة صيدا
كيف تحوّل كاتب وصحفي نمساوي، لم يكن يوماً مهتماً بعقيدته، إلى المهندس الأول لأكبر تحول جيوسياسي شهده الشرق الأوسط في العصر الحديث؟
في أواخر القرن التاسع عشر، وبينما كان العالم يغط في صراعاته التقليدية، كان ثيودور هرتزل يخط بقلمه كتاب "دولة اليهود"، معلناً ولادة الحركة الصهيونية العالمية التي نقلت الفكرة من مجرد تنظير ديني معزول إلى مشروع استعماري منظم.
تنبش "بوابة صيدا" في هذا الملف الشامل كواليس المسيرة الدبلوماسية لـ "عرّاب الصهيونية"؛ من صدمة باريس التي غيرت قناعاته، إلى كواليس رسائله ومساوماته المالية التي رفضها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وحسمها الفاتيكان بالرفض العقائدي، وصولاً إلى ارتمائه في أحضان الإمبراطورية البريطانية.
نكشف لكم كيف نجح هرتزل بالفعل - قبل وفاته بأعوام - في التنبؤ بتاريخ قيام دولة الاحتلال بدقة متناهية، تاركاً خلفه إرثاً سياسياً أسس للمأساة المستمرة التي تعيشها منطقتنا حتى يومنا هذا.
ولد ثيودور هرتزل في 2 ايار / مايو 1860م (11 شوال 1276هـ) في بودابست (الإمبراطورية النمساوية المجرية) لعائلة يهودية ثرية ومندمجة كلياً في الثقافة الغربية العلمانية.
درس القانون في جامعة فيينا وحصل على الدكتوراه، لكنه فضّل العمل في الصحافة والأدب، وأصبح المراسل البارز لصحيفة Neue Freie Presse النمساوية في باريس.
في بداياته، لم يكن هرتزل مهتماً بالهوية اليهودية، بل كان يرى أن الحل الأمثل لليهود في أوروبا هو الاندماج الكامل في المجتمعات المسيحية، لكن التحول الجذري في حياته جاء عام 1894 أثناء تغطيته الصحفية لـ "قضية دريفوس" (وهو ضابط جيش فرنسي يهودي اتُّهم باطلاً بالخيانة العظمى وسط موجة عارمة من معاداة اليهود في الشارع الفرنسي) صدمت هذه الحادثة هرتزل، وتوصل إلى قناعة حاسمة: "حتى فرنسا، مهد التنوير والثورة وحقوق الإنسان، لا تقبل اليهود، وبالتالي فإن الاندماج مستحيل، والحل الوحيد هو الخروج من أوروبا وتأسيس دولة قومية مستقلة لليهود".
بدأ هرتزل يشجع اليهود من خلال كتاباته للبحث عن مكان يجتمعون فيه كبقية شعوب العالم فيكون لهم الحق في إقامة دولتهم الخاصة بهم أسوةً ببقية شعوب العالم، المسألة التي اعتبرت حجر الأساس للفكر الصهيوني الذي ابتدعه هرتزل.
أصدر هرتزل كتيبه الشهير Der Judenstaat (دولة اليهود)، وطرح فيه مشروعاً عملياً لإقامة دولة يهودية، واقترح أولاً خيارات مثل الأرجنتين أو فلسطين.
نجح هرتزل بفضل مهاراته التنظيمية في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال بسويسرا في الفترة ما بين 29 -31 آب / أغسطس عام 1897م (1 ـ 3 ربيع الثاني 1315هـ) و أسس فيه الحركة الصهيونية العالمية، وخرج المؤتمر بـ "برنامج بال" الذي نص صراحة على أن هدف الصهيونية هو "إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام".
حضر المؤتمر 204 مندوب يهودي، 117 منهم مثلوا جمعيات صهيونية مختلفة، وسبعون جاؤوا من روسيا وحدها، كما حضره مندوبون من الأمريكيتين الشمالية والجنوبية والدول الاسكندينافية وبعض الأقطار العربية وبالأخص الجزائر .
افتتح هرتزل المؤتمر الصهيوني الأول بخطاب مقتضب أكد فيه أن الهدف من المؤتمر هو: "وضع الحجر الأساس للبيت الذي سيسكنه الشعب اليهودي في المستقبل"، وأعلن فيه: "أن الصهيونية هي عودة إلى اليهودية قبل العودة إلى بلد اليهود"، وحدد هرتزل في خطابه مضمون المؤتمر على أنه "الجمعية القومية اليهودية".
وكتب هرتزل في مذكراته بعد المؤتمر عبارته الشهيرة: "في بال أسستُ الدولة اليهودية. لو قلتُ هذا بصوت عالٍ اليوم لضحك العالم مني، ولكن ربما بعد خمس سنوات، وقطعاً بعد خمسين سنة، سيعلم الجميع ذلك". (تنبؤ دقيق، إذ أعلنت إسرائيل عام 1948، أي بعد 51 عاماً من المؤتمر)
أدرك هرتزل أن إقامة الدولة تحتاج إلى "غطاء شرعي ودبلوماسي" من القوى الكبرى، فبدأ يتحرك كزعيم سياسي دولي.
التقى هرتزل بالسلطان عبد الحميد الثاني في إسطنبول عدة مرات بين عامي 1896 و 1902 و عرض هرتزل على السلطان تسوية الديون الخارجية الضخمة للإمبراطورية العثمانية، وتقديم قروض مالية سخية للخزينة، والترويج السياسي للدولة العثمانية في الصحافة الأوروبية.
رفض السلطان عبد الحميد العرض بحسم، وسجل التاريخ مقولته: "لا أقدر أن أبيع ولو قدماً واحداً من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي... ليحتفظ اليهود بملياراتهم، فإذا مُزقت الإمبراطورية يوماً ما، فقد يحصلون على فلسطين دون مقابل".
في كانون الثاني (يناير) 1904، التقى هرتزل بالبابا بيوس العاشر في الفاتيكان لكسب دعم الكنيسة الكاثوليكية للمشروع الصهيوني.
واجه البابا طلب هرتزل برفض عقائدي وسياسي قاطع، وقال له: "لا يمكننا منع اليهود من الذهاب إلى القدس، لكننا لا يمكننا أبداً دعم ذلك.. الأرض المقدسة قد قُدست بميلاد المسيح، واليهود لم يعترفوا بالمسيح، لذا لا يمكننا الاعتراف بالشعب اليهودي".
بعد فشله مع العثمانيين، توجه هرتزل نحو الإمبراطورية البريطانية (القوة العظمى حينها)، التقى بوزير المستعمرات جوزيف تشامبرلين، وعرضت بريطانيا عام 1903 منح الحركة الصهيونية أراضٍ في أوغندا (شرق أفريقيا) كـ "وطن مؤقت ملجأ".
وافق هرتزل على العرض بسبب اشتداد المجازر ضد اليهود في روسيا، لكن المشروع جوبه برفض شرس من أقطاب الحركة الصهيونية الذين أصروا على أن "لا بديل عن فلسطين"، مما سبب انقساماً حاداً داخل الحركة.
في عام 1889م، تزوج هرتزل من "جولي نتشاور" وكانت من أسرة ثرية، وكان هرتزل يأمل أن يحل من خلالها بعض مشاكله المالية ولكن الزواج لم يكن موفقاً لعدم حماس الزوجة للتطلعات الصهيونية لدى زوجها، وبسبب ارتباط هرتزل الشديد بأمه التي غذت أحلامه، فقد قامت نشأته على تصوُّر من ينتدب نفسه لتحقيق عظائم الأمور، ويحلم بأنه صاحب رسالة في الحياة.
تسببت الجهود الدبلوماسية المضنية، والسفر المستمر، والصراعات والانقسامات الداخلية حول "مشروع أوغندا" في تدهور متسارع لصحة هرتزل الجسدية والنفسية، حيث كان يعاني من مشاكل مزمنة في القلب، و في 3 تموز /يوليو 1904م (20 ربيع الثاني 1322 هـ) توفي هرتزل في النمسا بسبب قصور في القلب، عن عمر يناهز 44 عاماً فقط.
دُفن أولاً في فيينا، لكن بعد قيام دولة "إسرائيل"، وتنفيذاً لوصيته بأن يُدفن في وطن يهودي، نُقل رُفاته عام 1949 ودُفن في القدس المحتلة على تلة سُميت بـاسم "جبل هرتزل" (المقبرة الوطنية لإسرائيل).
وقد اختفى أيضاً نسل هرتزل نهائياً، فكبرى بناته بولين (1890م ـ 1930م) كانت مختلة عقلياً، وطُلِّقت من زوجها وأصبحت صائدة للرجال ومدمنة للمخدرات، أما أخوها هانز (1891م -1930م) الذي لم يُختن طيلة حياته، مخالفا بذلك التعاليم اليهودية، فقد أصيب بخلل نفسي واكتئاب شديد ثم تَحوَّل إلى المسيحية وانتحر يوم وفاة أخته، أما الابنة الصغرى فقد ترددت على كثير من المصحات حتى ماتت عام 1936م.
وقد نشأ ابنها ـ وحفيد هرتزل الوحيد ـ في إنجلترا حيث غيَّر اسمه من نيومان (اسم ذو نكهة يهودية) إلى نورمان (اسم ذو نكهة أنجلو ساكسونية)، وكان يعمل ضابطاً في الجيش الإنجليزي وبعد أن ترك الخدمة عُيِّن مستشاراً اقتصادياً للبعثة البريطانية في واشنطن حيث انتحر بأن ألقى بنفسه من أعلى كوبري في النهر.
يُعتبر هرتزل في الوجدان الإسرائيلي " الأب الروحي لإسرائيل" ويتلخص تأثيره السياسي في النقاط الآتية:
* نقل الصهيونية إلى الحقل السياسي: قبل هرتزل، كانت الصهيونية مجرد أفكار دينية أو جمعيات خيرية صغيرة تشتري أراضٍ متفرقة بخجل (مثل جمعيات أحباء صهيون) هرتزل هو من جعلها "قضية دولية" تُناقش في أروقة الحكم الأوروبية.
* بناء المؤسسات الاستعمارية: أسس الأدوات التنفيذية التي أوجدت إسرائيل لاحقاً، مثل "الصندوق القومي اليهودي" (كيرين كايميت) لشراء الأراضي في فلسطين، والبنك الاستعماري اليهودي لتمويل الاستيطان.
* تمهيد الطريق لوعد بلفور: لولا الهيكل التنظيمي والمؤسساتي الذي بناه هرتزل للحركة الصهيونية، لما وجد قادة الصهيونية اللاحقين (مثل حاييم وايزمان) المنصة القوية التي مكنتهم من انتزاع وعد بلفور من بريطانيا عام 1917م، والذي كان التطبيق العملي الأول لأفكار هرتزل السياسية.
ـــــــــــــــ
إقرأ أيضاً
حاييم وايزمان.. من اختراع الذخيرة القاتلة الى رئاسة الدولة العبرية
إدموند جيمس روتشيلد (أبو اليشوڤ.. أي أبو المستوطن الصهيوني)