بوابة صيدا ـ تخيل أن تُعتقل وتُحاكم في محكمة فيدرالية لمجرد أنك مارست حقك في وضع ورقة داخل صندوق الاقتراع!
زمن كانت فيه السياسة حكراً على الرجال، تمردت "سوزان أنتوني" على المنظومة وصوتت في الانتخابات، لتواجه محاكمة صورية منعها القاضي فيها حتى من الكلام.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم تفكيك القضية التي غيرت وجه الديمقراطية: كيف رفضت البطلة دفع غرامة الـ 100 دولار؟ وكيف تحول حرمانها من الاستئناف إلى عاصفة حقوقية أثمرت بتعديل الدستور الأمريكي ومنح المرأة حق التصويت!
ولدت سوزان برونويل أنتوني في 15 شباط / فبراير 1820م (2 جمادى الأولى 1235هـ) في مدينة أدمز في ولاية ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأمريكية،
كانت سوزان طفلة خارقة، حيث تعلمت القراءة والكتابة في سن الثالثة، وفي عام 1826م انتقلت أسرتها من مدينة ماساتشوستس إلى نيويورك، وقد تم إرسالها إلى مدرسة الحي المحلية لتتعلم، وكانت تتلقى تعليما ضعيفا هناك، لذا أرسلها والدها إلى مجموعة من المدارس البيتية، حيث كان يدرس لها بنفسه، ثم قامت بتدريسها معلمة تدعى ماري بيركنز وكانت تشجعها على الدفاع عن حقوق المرأة.
في عام 1837م، أرسلت سوزان إلى مدرسة خاصة بالإناث تسمى Moulson.
في القرن التاسع عشر، كانت القوانين الأمريكية تحرم النساء تماماً من حق التصويت (الاقترع السياسي)، معتبرة أن مكان المرأة هو المنزل، وأن الرجل هو المؤهل الوحيد لاتخاذ القرارات السياسية.
قررت سوزان أنتوني، بالتعاون مع مجموعة من الناشطات، اختبار التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي (الذي يضمن حماية متساوية للحقوق لجميع المواطنين).
توجهت أنتوني إلى مركز الاقتراع في مسقط رأسها بمدينة روتشستر بولاية نيويورك، وأصرت على تسجيل اسمها مستندة إلى أن الدستور يعتبرها "مواطنة"، وبالتالي يحق لها التصويت.
نجحت أنتوني في إقناع مسؤولي الانتخابات المحليين (الذين كانوا يخشون الملاحقة القانونية) بالسماح لها بإدخال ورقتها في صندوق الاقتراع. وبذلك، دخلت التاريخ كـ "واحدة من أوائل النساء اللواتي صوّتن في انتخابات رئاسية أمريكية" (التي فاز فيها أوليسيس غرانت)، معتبرة ذلك تطبيقاً مباشراً لروح الدستور.
لم تمرر السلطات الفيدرالية هذه الحادثة بسلام، إذ اعتبرت خطوتها "خرقاً فادحاً للقانون الفيدرالي".
بعد مرور أسبوعين فقط على التصويت، زار مأمور فيدرالي منزل سوزان أنتوني وقام بالقبض عليها بتهمة "التصويت غير القانوني".
تحولت محاكمتها في مدينة كاناندايجوا بنيويورك إلى معركة قضائية شهيرة ومثيرة للجدل.
فقد منع القاضي الفيدرالي "وارد هانت" سوزان أنتوني من الشهادة أو الحديث دفاعاً عن نفسها، بحجة أن المرأة "غير مؤهلة قانونياً" للإدلاء بشهادة في محكمة عليا!
ولم يسمح القاضي لهيئة المحلفين بالمداولة، بل أصدر أمراً مباشراً لهم بإدانتها، ووجه لها الحكم بنفسه.
عندما نطق القاضي بالحكم، سمح لأنتوني أخيراً بالحديث قبل إعلان العقوبة، فألقت واحدة من أشهر الخطب في تاريخ الحقوق المدنية، حيث قالت بـشجاعة: "لقد انتهكت قناعاتكم القانونية، لتطبيق حقوقي الدستورية.. إن هذا الحكم داس على حقوقي كمواطنة".
فرض عليها القاضي دفع غرامة مالية قيمتها 100 دولار أمريكي (وهو مبلغ كبير جداً بمقاييس ذلك العصر)، بالإضافة إلى تحمل تكاليف المحاكمة.
واجهت أنتوني الحكم بتحدٍ صارم، وقالت للقاضي علانية: "لن أدفع فلساً واحداً من غرامتكم الظالمة".
امتنعت أنتوني عن دفع الغرامة عمداً، على أمل أن تقوم السلطات بـسجنها، لأن السجن كان سيعطيها الحق القانوني في رفع القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية للاستئناف. لكن القاضي الفيدرالي تنبه لذكائها ورفض سجنها، مخافة أن تتحول القضية إلى سابقة دستورية تفرض منح المرأة حق التصويت فوراً، وبقيت الغرامة معلقة ولم تدفعها سوزان طوال حياتها.
رغم أن سوزان أنتوني خسرت المعركة القانونية المباشرة وغادرت المحكمة مُدانة، إلا أنها كسبت معركة الرأي العام بـامتياز.
فقد لفتت المحاكمة الأنظار الوطنية والعالمية إلى عدم منطقية القوانين التي تحرم نصف المجتمع من حقوقه السياسية، وأصبحت قضية المرأة تتصدر المانشيتات الصحفية.
و أعطت القضية دفعة هائلة لـ "الجمعية الوطنية للمطالبة بحق المرأة في الاقتراع" (NWSA) التي أسستها أنتوني مع زميلتها إليزابيث كادي ستانتون، وتحول النضال من مطالبات محلية إلى حركة وطنية منظمة تسعى لتعديل الدستور.
توفيت سوزان أنتوني في 13 آذار/ مارس 1906م (18 محرم 1324هـ) في روتشستر في ولاية نيويورك قبل أن ترى حلمها يتحقق، ولكن بعد 14 عاماً من وفاتها، وتحديداً في عام 1920، أقر الكونجرس الأمريكي "التعديل التاسع عشر للدستور"، والذي منح النساء حق التصويت رسمياً، وسمي هذا التعديل بـاسم "تعديل سوزان ب. أنتوني"" تخليداً لذكراها ونضالها الأسطوري.
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً
كيف نجت عاملة المنسوجات السوفيتية فالنتينا تريشكوفا من الموت لتصبح أول امرأة تغزو الكون؟
جوليا باسترانا: الحسناء التي حبسها العالم في جسد "امرأة قرد".. قصة الروح التي انتصرت على القبح