بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم 16 حزيران 1963م (24 محرم 1383هـ) حبس العالم أنفاسه مع انطلاق الهتاف الشهير "أيتها السماء، اخلعي قبعتك، أنا قادمة!".
من خلف آلات مصانع المنسوجات المتواضعة وشغف القفز بالمظلات، صعدت الفتاة السوفيتية "فالنتينا تريشكوفا" لتطير وحيدة حول الأرض 48 مرة على متن "فوستوك 6"، متحملةً دوار الجاذبية وخطأً برمجياً كاد يقذف بها إلى المجهول.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم فتح ملف أول امرأة تعانق النجوم، لنكشف لكم كواليس الرحلة السرية، وشجاعتها الأسطورية التي حطمت احتكار الرجال للمجال العلمي وعصفت بقواعد الجاذبية والتاريخ!"
ولدت فالنتينا تريشكوفا (Valentina Tereshkova) في 6 آذار / مارس 1937م (23 ذو الحجة 1355هـ) في قرية صغيرة بوسط روسيا.
تميزت بداياتها بالبساطة والصعوبة.. كانت تنتمي لعائلة عمالية، قُتل والدها خلال الحرب العالمية الثانية كجندي في الجيش السوفيتي، فقامت والدتها بتربيتها وإخوتها بمفردها وعملت في مصنع للمنسوجات.
تركت فالنتينا المدرسة في سن السابعة عشرة لتساعد عائلتها ماليًا، وعملت كعاملة إطارات ثم عاملة نسيج في أحد المصانع. لكن شغفها بالعلم لم يتوقف، فواصلت تعليمها عن طريق المراسلة والدراسة المسائية حتى تخرجت لاحقاً من الكلية التقنية للصناعات الخفيفة.
كان لدى فالنتينا هواية سرية غيرت مجرى حياتها، وهي القفز بالمظلات، حيث انضمت إلى نادٍ محلي وطورت مهارات عالية جداً ونفذت عشرات القفزات الناجحة، وهي المهارة التي جعلتها مرشحة مثالية للبرنامج الفضائي السوفيتي لاحقاً.
في أوج الحرب الباردة، سعى الاتحاد السوفيتي لـتحقيق نصر دعائي وعلمي جديد على الولايات المتحدة بعد إرسال يوري غاغارين.
قرر نيكيتا خروتشوف إرسال أول امرأة إلى الفضاء، و اختيرت هي وأربعة من زميلاتها (تتيانا كوزنتسوفا، إرينا سولويوفا، زهانا يركينا، فالنتينا بونومريفا) من بين أربعمائة متقدمة ليصبحن رائدات فضاء.
في صباح 16 حزيران 1963م (24 محرم 1383هـ) انطلقت المركبة الفضائية "فوستوك 6" (Vostok 6) من قاعدة بايكونور في كازاخستان، وكان الاسم الحركي لفالنتينا خلال الرحلة هو "تشايكا" (Chaika) أي "النورس".
استمرت المهمة قرابة 3 أيام (70 ساعة و50 دقيقة بالضبط)، دارت خلالها فالنتينا حول الأرض 48 مرة، وهي مدة قياسية آنذاك تخطت مجموع الساعات التي قضاها جميع رواد الفضاء الأمريكيين مجتمعين حتى ذلك التاريخ.
لم تكن الرحلة نزهة، بل حفلت بمخاطر هددت حياة تريشكوفا، وتم التكتم على بعضها لسنوات طويلة من قِبل القيادة السوفيتية.
عانت فالنتينا طوال الأيام الثلاثة من غثيان شديد ودوار ناتج عن انعدام الجاذبية، بالإضافة إلى آلام جسدية مبرحة بسبب المقعد الضيق وخوذة الفضاء الثقيلة، لكنها قاومت وأخفت تعبها عن مركز التحكم لتكمل المهمة بنجاح.
و كشفت فالنتينا لاحقاً عن خلل فني خطير في نظام الملاحة الآلي للمركبة، حيث تم برمجتها بحيث تبتعد عن الأرض بدلاً من الاقتراب منها عند محاولة الهبوط (مما يعني ضياعها في الفضاء الأبدي).
لاحظت تريشكوفا الخطأ بنفسها وأبلغت المهندس المسؤول "سيرجي كوروليف"، وقامت بإعادة برمجة البيانات يدوياً لإصلاح المسار.
و عند العودة واختراق الغلاف الجوي، تم قذف فالنتينا تلقائياً من المركبة على ارتفاع 7 كيلومترات لتعتمد على مظلتها الشخصية. واجهت رياحاً عاتية كادت تقذف بها في بحيرة عميقة، لكنها تمكنت من التحكم بالمظلة بحرفية وهبطت في منطقة سيبيريا، مصابة بكدمات قوية في وجهها بسبب ارتطام الخوذة بالأرض.
صنعت رحلة فالنتينا تريشكوفا تحولاً جذرياً في النظرة العالمية لقدرات المرأة العلمية والبدنية، فأثبتت الرحلة عملياً أن المرأة تمتلك المقاومة البدنية والنفسية لتحمل أقسى الظروف خارج كوكب الأرض تماماً كالرجال، مما فتح الباب للأجيال اللاحقة من رائدات الفضاء (مثل سالي رايد وسفيتلانا سافيتسكايا).
قدمت الرحلة بيانات طبية وبيولوجية لا تقدر بثمن حول تأثير انعدام الجاذبية على جسد المرأة ووظائفها الحيوية.
بعد رحلتها التاريخية، لم تعد فالنتينا إلى الفضاء مجدداً خوفاً من السوفييت على حياتها كرمز وطني، لكنها واصلت العطاء.
والتحقت بأكاديمية جوكوفسكي للقوات الجوية وتخرجت منها بـامتياز كـ "مهندسة فضاء"، وحصلت لاحقاً على درجة الدكتوراه في الهندسة.
شغلت مناصب سياسية رفيعة في الحزب الشيوعي، وترأست لجنة رئيسية للمرأة السوفيتية، وغدت وجهاً دبلوماسياً يمثل الاتحاد السوفيتي في المحافل الدولية، ولا تزال تنشط في الشأن العام والسياسي حتى اليوم.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
جوليا باسترانا: الحسناء التي حبسها العالم في جسد "امرأة قرد".. قصة الروح التي انتصرت على القبح
كيف حوّلت خناجر السياسة ومحاكم "الهرطقة" ابنة الـ 19 عاماً "جان دارك" إلى قديسة؟