بوابة صيدا
في زمنٍ كانت فيه الثورة تُبشّر بالخلاص، وتعد الملايين بالعدالة والمساواة، خرجت امرأة من بين صفوف الحالمين، تحمل في قلبها نارًا لا تُطفأ. فانيا كابلان، الثائرة التي عذّبتها القيصرية، وسجنتها سيبيريا، وحرّرتها الثورة البلشفية، وجدت نفسها فجأة أمام مفارقة قاتلة: أن من حررها، خان مبادئها.
في مساء 30 آب / أغسطس 1918، وبينما كان فلاديمير لينين يغادر مصنع ميخائيلوف بعد خطابٍ حماسي، كانت فانيا تنتظره. لا لتصفق له، بل لتصوّب نحوه مسدسًا، وتطلق ثلاث رصاصات، واحدة منها اخترقت جسده، والأخرى اخترقت أسطورة الزعيم الذي لا يُمس.
هذه ليست قصة اغتيال فاشلة، بل قصة خيانة شعورية، حيث تتحول يد الثائر من التصفيق إلى التصويب، ومن الحلم إلى الرصاصة. إنها لحظة تصادم بين الثورة كفكرة، والسلطة كواقع... بين الإيمان المطلق، والخذلان العميق.
في 10 شباط / فبراير 1890م (20 جمادى الآخرة 1307هـ) ولدت فانيا يفيموفا كابلان (المعروفة أيضا باسمي فاني كابلان ودورا كابلان) واسمها الأصلي "فايغا خايموفنا رويتبلات" اليهودية الأوكرانية في عائلة فلاحية فقيرة، تلقت تعليمها مع اثنين من أخواتها و أربعة من إخوتها في المنزل. هاجر أبواها إلى الولايات المتحدة.
تعرفت كابلان على الحركة الثورية في سن مبكرة و انضمت إلى الحزب الاشتراكي الثوري.
في 1906 شاركت في محاولة اغتيال أحد المسؤولين القيصريين في كييف. ألقي القبض عليها وحكم عليها بالأشغال الشاقة المؤبدة في سيبيريا.
خلال وجودها في السجن، تعرضت لظروف قاسية في معسكرات الأعمال الشاقة في سيبيريا، حيث فقدت بصرها جزئيًا وعانت من مشاكل صحية دائمة.
أُطلق سراحها بعد ثورة شباط / فبراير 1917 التي أطاحت بالنظام القيصري.
شعرت كابلان بالغضب الشديد عندما علق البلاشفة انعقاد الجمعية التأسيسية و قررت أن تغتال لينين احتجاجا على ذلك القرار.
في 30 آب / أغسطس 1918م (24 ذو القعدة 1336هـ) تحدث لينين أمام اجتماع في موسكو . يذكر "فيكتور سيرج" فيما بعد تفاصيل ما حدث يومها "وصل لينين لوحده، لم يكن يرافقه أحد و لم يكن أحد في استقباله. عندما خرج تجمع حوله العمال لبعض الوقت قرب سيارته.
عندما غادر المبنى حاولت كابلان أن تسأله بعض الأسئلة عن الطريقة التي يدير بها البلد. قبل أن يدخل سيارته استدار ليجيب المرأة، في هذه اللحظة بالذات أطلقت كابلان عليه ثلاث رصاصات، لتصيبه بجروح خطيرة في الرقبة و الكتف.
أخذ السائق لينين إلى الكرملين، و هناك كان ما يزال قادرا على صعود السلالم بصمت إلى الطابق الثاني قبل أن يسقط من الألم. كان هناك قلق كبير عن مصيره، كان جرح الرقبة يبدو خطيرا جدا، و ساد الاعتقاد لبعض الوقت أنه كان يحتضر".
ألقي القبض على كابلان فورا، وكانت ترتدي ثياباً سوداء، شعرها أسود وعيناها تعبتان ومحاطتان بالأسود، وكانت برودتها غير طبيعية، وأوضحت في اعترافاتها للتشيكا (البوليس السري السوفيتي) في تلك الليلة أنها حاولت أن تقتل لينين لأنه أمر بإغلاق الجمعية التأسيسية.
يتابع فيكتور سيرج كلامه فيقول: "و اعترفت في كلامها للتشيكا بأنها قامت باغتياله لوحدها: " اسمي فانيا كابلان، أطلقت النار اليوم على لينين. لقد فعلت ذلك لوحدي. ولن أقول كيف حصلت على المسدس. لن أعطي اية معلومات. كنت قد قررت اغتيال لينين منذ وقت طويل. إني أعتبره خائنا للثورة. كنت قد نفيت إلى آكاتوي بتهمة المشاركة في محاولة لاغتيال موظف قيصري في كييف عام 1906. قضيت 11 عاما في الأشغال الشاقة. أطلق سراحي بعد الثورة. و أنا أريد الجمعية التأسيسية و ما زلت" .
في 3 أيلول / سبتمبر 1918م (29 ذو القعدة 1336هـ) بعد أربعة ايام من محاولة الإغتيال اعدمت فانيا كابلان رمياً بالرصاص في فناء الكرملين على يد بحار أسطول البلطيق "بافل مالكوف" من دون أن تعلم ان كانت قد نجحت في اغتيال لينين أم لا.
أعطى "ياكوف سفيردلوف" الذي أمر بالإعدام أوامره بألا تدفن جثتها. قال لمالكوف: "يجب التخلص من جثتها دون أن يبقى منها أي أثر" (أحرق مالكوف جسد فانيا حتى أصبح رمادا).
استغل جوزيف ستالين الحادثة، فأرسل برقية إلى "ياكوف سفيردلوف" يقترح فيها "بعد أن علمت بمحاولة الاغتيال الشريرة للمرتزقة الرأسماليين على أعظم ثوري، القائد المجرب ومعلم البروليتاريا، الرفيق لينين، لترد على هذا الهجوم الوضيع بتنظيم إرهاب جماعي علني و منظم ضد البرجوازية و أعوانها" .
نصيحة ستالين تمت الموافقة عليها و بدأ "فيليكس دزيرجينسكي"، رئيس التشيكا، في أيلول / سبتمبر 1918 حملة إرهاب أحمر واسعة .
تذهب الإحصاءات الرسمية التي تقلل عادة من أعداد الضحايا إلى أنه في السنة الأولى فقط أعدم 6300 شخص دون محاكمة .
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
حرق القديسة جان دارك (عذراء أورليان وشفيعة فرنسا) علنًا بعد محاكمتها بتهمة الهرطقة
انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية.. ومقتل أكثر من نصف مليون أمريكي
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..