قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
في ذروة الاجتياح الإسرائيلي الذي كان يعصف بالأراضي اللبنانية، كُتب الفصل الأول لواحد من أخطر الملفات الأمنية والسياسية في تاريخ المنطقة. أربعة مسؤولين إيرانيين، بينهم القائم بالأعمال والمستشار العسكري ومصور صحفي، اختفوا وراء حاجز "البربارة" الشهير.
وفي هذه المادة المعمقة، يفتح "قسم التوثيق في موقع بوابة صيدا" الأوراق المطوية لهذه القضية، نكشف كواليس الصراع بين روايات التصفية المباشرة وفرضيات الترحيل إلى سجون الاحتلال، ونحلل كيف تحولت هذه الحادثة إلى حجر الأساس الذي أعاد رسم الخارطة العسكرية والسياسية في لبنان والشرق الأوسط.
أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان توجهت مجموعة دبلوماسية رفيعة من القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين إلى سوريا، وفي 5 تموز / يوليو 1982م (14 رمضان 1402هـ) كان الوفد الإيراني يستقل سيارة دبلوماسية متوجهاً من طرابلس في شمال لبنان إلى العاصمة بيروت، ويضم:
أحمد متوسليان: الملحق العسكري للسفارة الإيرانية في لبنان (وأحد أبرز القادة العسكريين في الحرس الثوري آنذاك).
محسن موسوي: القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية في بيروت.
تقي رستكار مقدم: موظف دبلوماسي وسائق السيارة.
كاظم أخوان: مصور صحفي ومراسل وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا).
كانت السيارة الدبلوماسية تمر من خلال نقاط التفتيش في طريقها إلى بيروت، و عند "حاجز البربارة" الشهير في قضاء جبيل (شمال بيروت)، وهو حاجز عسكري استراتيجي كان يخضع لسيطرة ميليشيا "القوات اللبنانية" (الجناح العسكري للجبهة اللبنانية بقيادة بشير الجميل حينها) تم اعتراض السيارة، رغم أن الوفد كان متمتعاً بالحصانة الدبلوماسية ويرافقه بضعة عناصر من قوى الأمن الداخلي اللبناني لحمايتهم، إلا أن مسلحي الحاجز أوقفوا السيارة الدبلوماسية واقتادوا الإيرانيين الأربعة تحت تهديد السلاح إلى جهة مجهولة، وجرى تسريح المرافقين اللبنانيين.
حتى يومنا هذا، لا يزال المصير النهائي للدبلوماسيين الأربعة غامضاً ومحاطاً بروايتين رئيسيتين:
1) تشير العديد من الشهادات التاريخية وتقارير مسؤولي الأمن السابقين في الميليشيات اللبنانية (مثل شهادات إيلي حبيقة وسمير جعجع في فترات لاحقة) إلى أن الدبلوماسيين الأربعة جرى نقلهم فور اختطافهم إلى ثكنة عسكرية تابعة للقوات اللبنانية (مثل ثكنة الكرنتينا أو عمشيت)، وتم تصفيتهم بدم بارد ودفنهم في مواقع سرية بعد وقت قصير من احتجازهم.
2) تمسكت الحكومة الإيرانية طوال عقود بالرواية الرسمية التي تفيد بأن الجهة الخاطفة قامت بتسليم الدبلوماسيين الأربعة إلى قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي التي كانت تسيطر على أجزاء واسعة من لبنان. وتطالب طهران تل أبيب بانتظام بالكشف عن مصيرهم باعتبارهم "أسرى أحياء" في سجونها.
ونقلت وكالة أنباء فارس الإيرانية عن الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد في خطابه للأمين العام السابق للأمم المتحدة "بان كي مون" خلال لقاء في نيويورك: "وفيما يتعلق بالدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة المختطفين، هناك وثائق تظهر أنهم على قيد الحياة وبين يدي الكيان الصهيوني". وأضاف:"كنا نتوقع من الأمين العام للأمم المتحدة اتخاذ إجراءات جادة لإطلاق سراحهم"
من جانبه اتهم العدو الإسرائيلي حزب الكتائب بخطفهم وقتلهم بعد وقت قصير من اختطافهم ودفنهم في موقع بناء.
اعتبرت إيران أن اختطاف مسؤوليها في لبنان طعنة مباشرة لأمنها، وكانت هذه الحادثة إلى جانب الغزو الإسرائيلي المحفز الأساسي الذي سرّع من إرسال طهران لمئات من كوادر الحرس الثوري إلى البقاع اللبناني، مما ساهم بشكل مباشر في تأسيس وتدريب نواة "حزب الله" لمواجهة إسرائيل وحلفائها في الداخل.
تحول هذا الملف إلى "عقدة العقد" في الثمانينيات؛ حيث ردت مجموعات قريبة من إيران باختطاف مواطنين ودبلوماسيين غربيين (أمريكيين وفرنسيين وألمان وغيرهم من الجنسيات) في بيروت لمقايضتهم بالدبلوماسيين الأربعة، مما أدخل لبنان في نفق "أزمة الرهائن الأجانب" الشهيرة.
ــــــــــــ
إقرأ ايضاً
أحدُ سيدة النجاة الدامي: عندما اختلط بخور الصلاة بدخان المتفجرات
الجيش السوري مجددا في بيروت.. و نبذة عن حروب النظام السوري ومجازره في لبنان..