توثيق القسم التاريخي في بوابة صيدا
في السادس والعشرين من حزيران عام 1097م، (8 رجب 490هـ) لم يكن انطلاق الجيوش الصليبية من أنقاض مدينة "نيقية" عاصمة السلاجقة مجرد زحف عسكري عابر، بل كان بداية لزلزال جيوسياسي مدمر ضرب عمق الشرق الإسلامي، وأعاد تشكيل خارطة المنطقة لقرنين من الزمن.
لم يكن الصليبيون يملكون قوة خارقة لا تُقهر، بل دخلوا بلاد الشام وهي تعيش أبشع فترات التشرذم والتناحر، حيث كانت السيوف الإسلامية مشهورة في صدور بعضها البعض، والخلافات الطائفية والسياسية تعصف بالعواصم الكبرى من بغداد إلى القاهرة.
في هذا الملف التاريخي، تكشف "بوابة صيدا" كواليس هذا الاجتياح الدراماتيكي، وكيف تحول التمزق العربي والإسلامي إلى جسر عبرت فوقه السنابك الغربية لتسقط أنطاكيا بالخيانة، وتُنحر القدس في يوم جمعة أسود سالت فيه الدماء حتى الركب في باحة المسجد الأقصى.
فكيف ضاعت خطوط الدفاع؟ وكيف يُعيد التاريخ إحياء دروس الماضي في واقعنا المعاصر؟
بدأ الحشد للحملة الصليبية الأولى بعد خطبة البابا أوربان الثاني الشهيرة في مؤتمر كليرمونت عام 1095م.
وصف البابا في خطاب له ما يلقاه الحجاج المسيحيون أثناء سفرهم من العذاب والمتاعب، ودعا إلى الحروب الصليبية، ونادى الأمراء بترك الخلافات القائمة، وقدم لهم الصليب، ثم قال: "فلينطلق المسيحيون بالغرب لنجدة الشرق... ومن يلق مصرعه في المعركة تحلل من ذنوبه وغفر الله له أخطاءه... فلا ينبغي التمهل والإرجاء، فليستعدوا للمسير عند حلول الصيف، وليكن الله هاديهم".
تحركت الجيوش الصليبية التي قادها كبار النبلاء مثل غودفري، وبوهيموند، وريموند الرابع في مسارات متعددة من فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا.
التقت الجيوش عند أسوار القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. أصر الإمبراطور البيزنطي "أليكسيوس الأول كومنينوس" على انتزاع قَسم غليظ من قادة الحملة يقضي بإعادة أي أراضٍ يستردونها من السلاجقة المسلمين إلى السيادة البيزنطية، وهو ما وافق عليه الأمراء مرغمين لتأمين الدعم اللوجستي والعبور إلى آسيا الصغرى.
عبرت الجيوش الصليبية مضيق البوسفور وطوقت مدينة "نيقية" (İznik الحالية في تركيا)، وهي عاصمة سلاجقة الروم وكان يحكمها السلطان قلج أرسلان الأول (الذي كان غائباً يقاتل الدانشمنديين في الشرق مستخفاً بـحجم الحملة).
اشتد الحصار على المدينة من البر والبحر بمساعدة السفن البيزنطية. وفي 19 حزيران/يونيو 1097م (1 رجب 490هـ) استسلمت الحامية التركية سراً للإمبراطور البيزنطي خوفاً من بطش الصليبيين، واستيقظ الصليبيون ليجدوا الأعلام البيزنطية ترفرف فوق الأسوار ومُنعوا من نهب المدينة، مما أثار حنقهم.
بعد ترتيب الأوضاع في نيقية، تحركت الجيوش الصليبية في 26 حزيران / يونيو 1097م (8 رجب 490هـ) متوغلة في عمق الأناضول، وحققت انتصاراً حاسماً على قلج أرسلان في معركة "دورليوم" في 1 تموز / يوليو 1097م (13 رجب 490هـ) فتح لها الطريق نحو الشام.
احتلوا فريجيا وضورليوم وهرقلة، وقيليقية وقيصرية، وبلاكنتيا ومرعش وأقاموا بها أياماً، وأما الإمبراطور البيزنطي فاستغل الفرصة وهاجم أزمير وإفسوس وليديا وغرب فريجيا واستولى بذلك على الجزء الغربي من الأناضول.
وصل الصليبيون إلى أسوار أنطاكيا (المفتاح الاستراتيجي لبلاد الشام) وفرضوا عليها حصاراً طاحناً دام قرابة 8 أشهر، عانوا خلاله من الجوع والأوبئة.
سقطت المدينة في 3 حزيران / يونيو 1098م (24 جمادى الآخرة 491هـ) نتيجة خيانة أحد حراس الأبراج (يُدعى فيروز) الذي تواصل سراً مع بوهيموند النورماندي وفتح له الأبواب.
فور دخولهم، ارتكب الصليبيون مجزرة مروعة بحق سكان المدينة المسلمين، فقتلوا من أهلها أكثر من عشرة آلاف مسلم، ومثلوا بالقتلى وفعلوا أبشع الجرائم، وولوا عليها أحدهم " بوهيمند الإيطالي"، وقد استقبل النصارى من أهلها والأرمن الصليبيين بكل ترحاب.
وبعد أيام قليلة، وصل جيش إسلامي ضخم لإنقاذ المدينة بقيادة كربوقا (كربغا) أمير الموصل، وصاحب دمشق دقاق، وصاحب حمص جناح الدولة فحوصر الصليبيون داخلها. لكن انقسام القادة المسلمين و عثور النصارى المزعوم على "الحربة المقدسة" رفع معنويات الصليبيين ليخرجوا فهزموا جيش المسلمين، مما أدى لتأسيس أول إمارة صليبية، إمارة أنطاكيا.
في هذه الأثناء كان العبيديون ـ الدولة الفاطمية (شيعة) ـ قد استغلوا تقدم الصليبيين من الشمال، فتقدموا هم من الجنوب ودخلوا بيت المقدس وطردوا السلاجقة (سنة) منها قبل وصول الصليبيين إليها، وجرت مفاوضات بين الأفضل الجمالي الوزير العبيدي وبين الصليبيين على أن يكون شمال بلاد الشام للصليبيين وجنوبها للعبيديين.
تابع الجيش الصليبي طريقه فاحتل معرة النعمان وارتكب فيها المجازر.. و في حزيران 1099م، وصل الصليبيون إلى أسوار "القدس" التي كانت تحت سيطرة الفاطميين، وفرضوا عليها حصاراً مركزاً دام واحداً وأربعين يوماً، ونقضوا العهد مع الدولة الفاطمية.
في يوم الجمعة الأسود 15 تموز/ يوليو 1099م (18 شعبان 492هـ) تمكن الصليبيون من اختراق الأسوار من الجهة الشمالية بقيادة غودفري الفرنسي .
اندفعت القوات الصليبية داخل شوارع المدينة المقدسة وارتكبت واحدة من أبشع المجازر في التاريخ.
لجأ آلاف المدنيين من الرجال والنساء والأطفال إلى المسجد الأقصى و مسجد عمر بعد وعود بالأمان من الأمير ريموند، لكن الصليبيين ذبحوهم بوحشية بالغة، ونهبوا قبة الصخرة، وقتلوا من أهلها أكثر من سبعين ألفاً، وانتخب "جودفري الفرنسي" ملكاً على بيت المقدس، وأخذ لقب حامي قبر المسيح.
تصف المصادر التاريخية (وحتى الصليبية منها مثل ريموند أجيل) أن دماء الضحايا بلغت ركب الخيل في باحة الحرم، وتمت إبادة سكان المدينة من المسلمين واليهود بالكامل، ونُهبت محتويات المسجد الأقصى وقبة الصخرة.
وبسيطرة الصليبيين على بيت المقدس ارتفعت معنويات سكان الإمارات الإيطالية فبدأت سفنهم تجوب أطراف البحر المتوسط وتقدم المساعدات والدعم للصليبيين، فاستطاعوا خلال حملات صليبية متتابعة أن يأخذوا حيفا وقيسارية عام 1101م (494هـ) وعكا عام 1104 (497هـ) و طرابلس عام 1110م (503هـ) بعد حصار سنتين، و جبلة في العام نفسه، و صيدا عام 1111م (504هـ) وحاصر الصليبيون مدينة صور سنة 1112م (505 هـ) وكانت بيد العبيديين فأمدهم بالمؤن والمساعدات طغتكين صاحب دمشق فامتنعت صور عن الصليبيين.
أما من جهة الداخل فقد جاء الصليبيون من جهة الجنوب فالتقى بهم صاحب دمشق أمين الدولة وهزمهم ولاحق فلولهم الذين وصل بعضهم إلى ملاطية، وقد استطاع أن يدخلها وأن يتملكها وذلك عام 1100م (493هـ).
وهاجم الصليبيون دمشق من جهة الشمال عام 1104م (497هـ) ولكنهم هزموا، وأسر أمير الرها الصليبي غير أنهم استطاعوا في العام نفسه أن يدخلوا حصن أفاميا.
الحملة الصليبية الأولى لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل غيّرت وجه الشرق الأوسط لقرنين من الزمن.
فقد نجحت الحملة في زراعة أربعة كيانات سياسية غربية في قلب العالم الإسلامي: (مملكة بيت المقدس، إمارة أنطاكيا، إمارة طرابلس، وكونتية الرها).
وكان العامل الحاسم في نجاح الحملة الصليبية الأولى (والحملات المتتالية) لم يكن قوة الصليبيين الخارقة، بل "حالة التمزق السياسي والتناحر" بين السلاجقة في الشمال وفصائلهم (دمشق، حلب، الموصل) من جهة، والصراع العباسي-الفاطمي (السني-الشيعي) من جهة أخرى، مما حال دون تشكيل جبهة إسلامية موحدة.
قطعت هذه الكيانات الغربية، والغريبة في جسد الأمة خطوط التجارة والتواصل البري بين المشرق الإسلامي ومصر، وشكلت قاعدة متقدمة للنفوذ الأوروبي في حوض البحر الأبيض المتوسط.
كانت الصدمة والمجازر الوحشية التي ارتكبها الصليبيون دافعاً لنهضة فكرية وعسكرية في العالم الإسلامي، بدأت ببذور عماد الدين زنكي، ثم نمت مع نور الدين محمود، حتى تثمر في النهاية بتحقيق الوحدة واسترداد القدس على يد صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين 1187م.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
عيسى العوام مثال فريد في أداء الأمانة
خديعة القرن: كيف تحول حصار المدينة المنورة من حلم "الدولة العربية الموحدة" إلى مقصلة سايكس بيكو؟