بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم من 14 حزيران 1800م (21 محرم 1215هـ) خطّ شابٌ شامي في الرابعة والعشرين من عمره أعظم فصول التلاحم العربي والإسلامي بالدم والحديد.
من قلب أروقة الأزهر الشريف، تنكّر "سليمان الحلبي" بزي درويش، ليغرس خنجره أربع مرات في صدر أقوى جنرالات نابليون "كليبر"، ثأراً للمقدسات المستباحة وبيوت بولاق المحروقة.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم فتح الصندوق الأسود لـ "أشهر عملية فدائية في الشرق" لنروي لكم كواليس التخطيط السري للمحاكمة، واللحظات المرعبة لإعدام البطل فوق الخازوق، وكيف عجلت تلك الطعنات باندحار الحملة الفرنسية عن أرض مصر!
وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798م تحت شعارات براقة تدعي جلب "التنوير"، لكن سرعان ما تكشف الوجه الاستعماري البشع للحملة من خلال ممارسات وجرائم هزت المجتمع المصري..
رداً على فرض الضرائب الباهظة ومصادرة الأملاك، ثار الشعب المصري (ثورة القاهرة الأولى 1798م) فقمع نابليون الثورة بوحشية، واقتحم جنوده بـالخيول الجامع الأزهر الشريف، ودنسوا المصاحف والكتب، مما خلق جرحاً دينياً ونفسياً عميقاً لدى المصريين والمسلمين.
بعد مغادرة نابليون سراً إلى فرنسا عام 1799، تولى الجنرال "جان بابتيست كليبر" قيادة الحملة. كان كليبر عسكرياً صارماً يميل للبطش..
من هو سليمان الحلبي
لم يكن سليمان الحلبي مصرياً، بل كان شاباً سورياً يبلغ من العمر قرابة 24 عاماً، ولد في قرية "كوكان" بالقرب من عفرين التابعة لولاية حلب في عام 1777م، وكان والده يعمل في تجارة زيت الزيتون.
سافر سليمان الحلبي من حلب إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، مرورا بالقدس وغزة..
في 21 نيسان / ابريل 1800م (27 ذو القعدة 1214هـ) انتفض أهل القاهرة ضد الفرنسيين "ثورة القاهرة الثانية" ففرض كليبر حصاراً خانقاً على القاهرة حتى جاع أهلها، ثم أمر بقصف حي بولاق بالمدافع وإحراقه بالكامل، واستباحت قواته البيوت وارتكبت المجازر حتى امتلأت الطرقات بالجثث، وفرض كليبر غرامات مالية هائلة أفقرت أعيان المدينة وتجارها.
تشابكت في عقل سليمان دوافع عدة دفعته للتضحية بحياته، رؤيته لتدنيس الأزهر الشريف والجرائم البشعة التي ارتكبها كليبر بحق أهل القاهرة خلال ثورة القاهرة الثانية، وأيضا مجازر نابليون على يافا وعكا في بلاد الشام، مما جعل مواجهة الفرنسيين قضية مصيرية لشعب الشام ومصر معاً.
فقرر سليمان الانتقام لدماء المسلمين، و أظهر سليمان الحلبي براعة فائقة في التمويه والتخطيط والتنفيذ لعمليته، فتخفى في زي شحاذ (متسول) درويش، وتردد على حديقة قصر الألفي بيك في حي الأزبكية، وهو المقر الرئيسي لقيادة الجنرال كليبر.
في ظهر يوم 14 حزيران 1800م (21 محرم 1215هـ) كان الجنرال كليبر يسير في الحديقة برفقة المهندس المعماري للحملة "بروتان"، استغل سليمان الفرصة وتقدم نحو كليبر متظاهراً بأنه "شحاذ" يطلب العون والبركة ويريد تقبيل يده.
فأعطاه كليبر يده ليقبلها، فمسك بيده، ثم شده بعنف، فلم يستطع كليبر تمالك نفسه فسقط، فسارع سليمان بطعنه أربع طعنات بسكين كان يحملها، وأرداه قتيلاً، ثم فر هارباً.
حاول المهندس "بروتان" الدفاع عن كليبر وضَرب سليمان بعصا، فطعنه سليمان أيضاً عدة طعنات أصابته بجروح بليغة لكنه لم يمت.
لم يهرب سليمان خارج القاهرة، بل اختبأ في حديقة مجاورة مهجورة، وخلال حملة التفتيش الهستيرية التي شنتها قوات الاحتلال الفرنسي، عثروا عليه وبحوزته الخنجر المستخدم.
أقام الفرنسيون محاكمة عسكرية صورية ووحشية لسليمان الحلبي لإظهار قوتهم وكسر معنويات المقاومة، فحُكم عليه بإحراق يده اليمنى (التي طعنت كليبر) وهو حي، ثم إعدامه فوق "الخازوق"، وتركت جثته لعدة أيام لتأكلها الطيور الجارحة.
كما تم إعدام أربعة من مشايخ الأزهر الشريف الذين عرفوا بنية سليمان ولم يبلغوا السلطات الفرنسية عنه.
واجه سليمان موته الأسطوري بصبر وشجاعة منقطعة النظير، مردداً الشهادتين والآيات القرآنية دون أن يصرخ حتى فاضت روحه.
كان اغتيال كليبر، الذي عُرف بـ "الرجل القوي" والقائد العسكري الفذ بعد نابليون، بمثابة ضربة قاضية للمعنويات الفرنسية. أدرك ضباط الحملة الفرنسية أن الوجود في مصر بات جحيماً مستداماً وأن الأرض ترفضهم.
خلف كليبر في القيادة الجنرال "عبد الله مينو" (الذي أعلن إسلامه ظاهرياً وتزوج من مصرية لتهدئة الأوضاع)، لكنه كان قائداً ضعيفاً عسكرياً وسياسياً.
تزايدت الثورات وتضاعف التنسيق الإنجليزي-العثماني، مما أدى في النهاية إلى استسلام الفرنسيين وخروجهم ذليلين من مصر عام 1801، أي بعد عام واحد فقط من اغتيال كليبر.
أثبتت العملية للمصريين أن المحتل ليس قضاءً مبرماً وأن قادته الكبار يمكن تصفيتهم بضربات فردية شجاعة.
و كرس سليمان الحلبي بدمه مفهوم العروبة والإسلام العابر للجغرافيا، فالدم السوري جرى بذله فوق تراب القاهرة دفاعاً عن كرامة مصر ومقدساتها، مما جعل سليمان بطلاً قومياً خالداً في الوجدان الشعبي المصري والشامي على حد سواء حتى يومنا هذا.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
يوم دكَّت المدافع المصرية أسوار عكا: كيف قاد "إبراهيم باشا" أجرأ حملة عسكرية زلزلت عرش الخلافة؟