توثيق القسم التاريخي في بوابة صيدا
في السابع والعشرين من حزيران / يونيو عام 1981م (25 شعبان 1401هـ) صعد شاب ثلاثيني درجات منبر مسجد "أبو ذر" في أحياء طهران الجنوبية، واضعاً جهاز تسجيل صوتي صغير أمام خطيب الجمعة حينها، علي الخامنئي.
لم يكن الحاضرون يعلمون أن هذا المذياع البسيط يخفي في أحشائه عبوة موقوتة، وأن ثوانٍ معدودة تفصل الدولة الإيرانية الوليدة عن زلزال سياسي كاد أن يودي بحياة مرشدها التالي.
في ذلك الصيف الملتهب، كانت إيران تغرق في حرب تصفيات داخلية شرسة عقب عزل الرئيس بني صدر وإعلان منظمة "مجاهدي خلق" الكفاح المسلح.
تنبش "بوابة صيدا" في هذا التقرير كواليس واحدة من أغرب محاولات الاغتيال في التاريخ المعاصر، فكيف أنقذ "صفير مكبر الصوت" حياة الخامنئي بأعجوبة قبل 45 عاماً؟
وكيف كانت هذه الدقائق الدامية، التي تركت أثرها المستديم على يده اليمنى، هي ذاتها الجسر الذي عبَرَ فوقه ليتجنب مجزرة الحزب الحاكم في اليوم التالي، ويصعد بسرعة الصاروخ إلى قمة الهرم السياسي في إيران؟
قبل أيام قليلة من حادثة اغتيال على الخامنئي تحديداً في 21 حزيران / يونيو 1981م (19 شعبان 1401هـ) عزل آية الله الخميني أول رئيس للجمهورية، أبو الحسن بني صدر، بعد صراع مرير بينه وبين تيار رجال الدين المحافظين (حزب جمهوري إسلامي).
ردت منظمة "مجاهدي خلق" المعارضة ـ التي كانت متسقة مع بني صدر ـ بإعلان الكفاح المسلح الشامل لإسقاط النظام الديني الجديد، ودخلت البلاد في موجة تصفيات واغتيالات يومية طالت رموز السلطة.
لم يكن علي الخامنئي رئيساً أو مرشداً بعد، بل كان يبلغ من العمر 42 عاماً، ويشغل مناصب حساسة منها: ممثل الإمام الخميني في مجلس الدفاع الأعلى، وإمام جمعة طهران، وعضو بارز في البرلمان والحزب الحاكم.
في يوم السبت 27 حزيران / يونيو 1981م (25 شعبان 1401هـ) توجه الخامنئي إلى مسجد أبو ذر، وهو مسجد يقع في الأحياء الجنوبية الفقيرة بطهران، لإلقاء محاضرة أسبوعية والإجابة على أسئلة المواطنين بعد صلاة الظهر.
أثناء وقوف الخامنئي خلف المنبر لإلقاء خطابه، تقدم أحد الشبان وصعد خطوتين، ثم وضع على المنبر الخشبي أمامه جهاز تسجيل صوتي وفتح حقيبته وضغط على زر التشغيل.
لم يكن الجهاز لتسجيل الصوت، بل كان محشواً بمتفجرات شديدة الانفجار، وعلى الجدار الداخلي لغطاء مسجل الصوت، خطّ المنفذون بقلم حبر جاف رسالة تحدٍ للنظام كتبوا فيها: "هدية من الفرقان إلى الجمهورية الإسلامية".
بعد ثوانٍ قليلة من وضع الجهاز، بدأ مكبر الصوت بالصفير، غيّر الخامنئي موقعه غريزياً وتراجع خطوة إلى الخلف لينظر إلى المذياع، وفي تلك اللحظة بالذات انطلق الصاعق وانفجر المسجل، مما أنقذ حياته من إصابة مباشرة قاتلة في الرأس أو الصدر.
أدى الانفجار إلى إحداث فوضى عارمة وتدمير المنبر بالكامل، وسقط الخامنئي مضرجاً بدمائه. نُقل بسرعة بواسطة حراسه في سيارة عادية إلى مستشفى "بهارلو" القريب، ثم نُقل مروحياً إلى مستشفى "القلب" لخطورة حالته.
تسببت الشظايا بأضرار جسدية مستديمة لازمته طوال حياته.
* إصابة بالغة في الجانب الأيمن من جسده.
* تمزق في الشرايين والأوتار العصبية، مما أدى إلى "شلل كامل وفقدان القدرة على الحركة في يده اليمنى" (والتي تظهر في كل إطلالاته ومناسباته الرسمية).
* ثقب في الرئة اليمنى وتضرر الحبال الصوتية لفترة من الزمن.
على الرغم من أن الرسالة المكتوبة داخل المسجل كانت تحمل اسم "جماعة الفرقان" (وهي جماعة راديكالية عارضت حكم رجال الدين واغتالت مطهري ومفتح سابقاً)، إلا أن التحقيقات الأمنية الإيرانية اللاحقة أشارت بأصابع الاتهام المباشرة إلى منظمة "مجاهدي خلق".
تبين أن عناصر من بقايا جماعة الفرقان كانوا قد انخرطوا وتأثروا بالتوجيهات العملياتية لـ "مجاهدي خلق" لتنفيذ هذه الموجة من الاغتيالات.
وتعليقاً على محاولة الاغتيال أصدرت الخارجية الأمريكية بياناً اعتبرت فيه أن إصابة الخامنئي كان ضمن مجموعة من الأعمال الإرهابية لمنظمة مجاهدي خلق.
كان الحادث بمثابة "رُبّ ضارة نافعة" لعلي الخامنئي؛ ففي اليوم التالي مباشرة 28 حزيران/ يونيو 1981م (25 شعبان 1401هـ) نفذت منظمة مجاهدي خلق تفجيراً هائلاً ومروعاً في مقر "حزب جمهوري إسلامي" قُتل فيه 72 من قادة الدولة، على رأسهم آية الله محمد بهشتي (الرجل الثاني في الدولة) و نجا الخامنئي من الموت المحتم في ذلك الاجتماع فقط لأنه كان راقداً في غرفة العناية المركزة بالمستشفى.
و مهدت هذه النجاة وبقاء الخامنئي كأحد الرموز القليلة الحية من "الرعيل الأول" الطريق لصعوده السياسي السريع. فبعد أشهر قليلة في تشرين أول / أكتوبر 1981م تم ترشيحه وانتخابه رئيساً لـ "الجمهورية الإسلامية" بأغلبية ساحقة، لتبدأ مرحلة إمساكه المباشر بمفاصل الدولة.
وظّف النظام الإيراني نجاة الخامنئي بشكل عقائدي مكثف، وأطلق عليه الإمام الخميني لقب "الشهيد الحي".
أعطت هذه الإصابة ويده المشلولة شرعية كاريزمية وشعبية قوية وسط الباسيج والحرس الثوري باعتباره "فدى الثورة بجسده"، وهو الرصيد المعنوي الذي ساعده لاحقاً في صيف عام 1989 ليصبح "المرشد الأعلى الثاني للجمهورية الإسلامية" بعد وفاة الخميني، وهو المنصب الذي شغله حتى يوم اغتياله في 28 شباط / فبراير 2026م (11 رمضان 1447هـ) إثر غارات جوية إسرائيلية عنيفة استهدفت مجمعه في العاصمة طهران بدعم استخباراتي أمريكي.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
معركة حمص هي أكبر معركة وقعت بين المسلمين والمغول
زلزال عام 1097م: كيف استغلت "الحملة الصليبية الأولى" تمزق المسلمين واحتلت القدس؟