توثيق القسم التاريخي في بوابة صيدا
لم تكن مجرد قطعة قماش أُلقيت على رصيف محطة القطار عام 1923م، بل كانت شرارة لزلزال فكري واجتماعي ما زالت ارتداداته تهز العالم العربي والإسلام حتى اليوم!
في لحظة خاطفة تداخلت فيها الجرأة الأرستقراطية بالثقافة الأوروبية الوافدة، خطت "هدى الشعراوي" خطوتها الأكثر صدمة في تاريخ مصر الحديث، لتصبح أول امرأة مسلمة تتجرأ على نزع النقاب علناً أمام الحشود.
بين صالونات باريس المخملية التي غذّت فيها نزعة التمرد، وبين أحكام المجتمع والتشريع التي واجهتها بصلابة، يفتح هذا الملف دفاتر التاريخ المنسية ليكشف كواليس التحول المثيرة:
هل كانت هدى الشعراوي رائدة شجاعة حررت عقول النساء، أم أنها كانت بوابَة التغريب الأولى التي قادت المجتمع نحو التخلي عن هويته؟
تابعوا معنا التفاصيل الكاملة لقصة المرأة التي تحدت الجميع وكشفت عن وجهها لتغير مجرى التاريخ!
ولدت نور الهدى محمد سلطان الشعراوي في 23 حزيران/ يونيو 1879م، (4 رجب 1296هـ) في مدينة المنيا بصعيد مصر.
والدها محمد سلطان باشا، المتهم بخيانة الثورة العُرابية، والمتسبب في احتلال الإنجليز لمصر، وكان رئيس مجلس النواب المصري الأول في عهد الخديوي توفيق، وأنعمت عليه بريطانيا بعد الاحتلال بنياشين مقابل خدماته، وهو ما وفر لها بيئة أرستقراطية بامتياز.
تلقت تعليمها في المنزل (داخل الحرملك)، فحفظت أجزاء من القرآن الكريم، وتعلمت اللغتين الفرنسية والتركية، وهو ما فتح عقلها مبكراً على الثقافات الغربية.
في سن الثالثة عشرة، أُجبرت على الزواج من ابن عمها والوصي عليها "علي الشعراوي باشا" الذي كان يكبرها بثلاثين عاماً، وغيرت لقبها بعد الزواج من هدى سلطان إلى هدى "شعراوي" تقليدا للغرب، وكان أحد شروط عقد زواجها أن يطلق زوجها زوجته الأولى، وفي السنوات اللاحقة أنجبت هدى بنتا أسمتها بثينة وابنا أسمته محمد.
هذا الزواج المبكر والصارم خلق لديها نزعة تمرد مبكرة ضد أحكام الشريعة، والعادات الاجتماعية المنتشرة بين النساء في ذلك العصر.
في عام 1290هـ/1869م بعث والي مصر محمد علي باشا البعوث لفرنسا للتعلم، وكان فيهم واعظ البعوث: رفاعة رافع الطهطاوي، وبعد عودته لمصر، دعا لسفور المرأة عن وجهها، ثم تتابع على هذا العمل عدد من المفسدين، منهم: مرقس فهمي، وأحمد لطفي السيد، قاسم أمين، سعد زغلول وشقيقه أحمد فتحي زغلول.
تأثرت هدى الشعراوي بشكل عميق بالمد الفكري الغربي الذي كان يجتاح النخب المصرية آنذاك، وتوطدت علاقتها بالمنظومة الثقافية الأوروبية..
و تسرد لنا في مذكراتها بداية نشاطها لـ (تحرير المرأة) كما زعمت، والذي بدأ أثناء رحلتها الاستشفائية بأوروبا بعد زواجها، وانبهارها بالمرأة الإنجليزية والفرنسية في تلك الفترة للحصول على امتيازات للمرأة الأوروبية، وهناك تعرفت على بعض الشخصيات المؤثرة التي كانت تطالب بتحرير المرأة، وعند عودتها أنشأت شعراوي مجلة " الإجيبسيان " والتي كانت تصدرها باللغة الفرنسية.
وكان لنشاط زوجها علي الشعراوي السياسي الملحوظ في ثورة 1919 وعلاقته بسعد زغلول أثر كبير على نشاطاتها، فشاركت بقيادة مظاهرات للنساء عام 1919، وأسست "لجنة الوفد المركزية للسيدات" وقامت بالإشراف عليها.
وفي عام 1919م أيضاً ظهرت الحركة النسائية بالقاهرة لدعوة المرأة لنزع الحجاب برئاسة هدى شعراوي وكان أول اجتماع للنساء الداعيات إلى ذلك في الكنيسة المرقُصِيَّة بمصر سنة 1920م
ربطت الشعراوي الحركة النسائية المصرية بالمنظمات الغربية، ففي عام 1923م، و شاركت في المؤتمر الدولي للمرأة في روما، وأصبحت عضواً بارزاً في "الاتحاد الدولي للمرأة"، وهو ما جعل معارضيها يتهمونها بتبني أجندة "تغريبية" تهدف إلى نزع الهوية الإسلامية عن المرأة المصرية ومحاكاة النمط الأوروبي.
في أيار / مايو 1923م، عادت هدى الشعراوي من روما بعد مشاركتها في مؤتمر نسائي دولي، كان في استقبالها حشد هائل من المواطنين من الرجال و النساء في محطة قطار رمسيس (باب الحديد) بالقاهرة، وبمجرد هبوطها من عربة القطار، قامت هدى الشعراوي بـ "رفع النقاب علناً عن وجهها" وقذفت به، وتبعها في ذلك سيزا نبراوي.
ساد الصمت للحظات من هول الصدمة، ثم اندلعت صيحات متباينة، حيث صفق لها بعض النساء والرجال من التيار الليبرالي المشجع لـ "حزب الوفد"، في حين قوبل التصرف باستهجان وتنديد شديدين من الأوساط المحافظة وعلماء الأزهر الشريف الذين اعتبروا الخطوة خروجاً صريحاً على الآداب الإسلامية.
وكتبت "شعراوي" في مذكراتها عن هذه الحادثة قائلة: "ورفعنا النقاب أنا وسكيرتيرتي" سيزا نبراوي " وقرأنا الفاتحة ثم خطونا على سلم الباخرة مكشوفتي الوجه، وتلفتنا لنرى تأثير الوجه الذي يبدو سافراً لأول مرة بين الجموع فلم نجد له تأثيراً أبداً لأن كل الناس كانوا متوجهين نحو سعد (زغلول) متشوقين إلى طلعته".
ثم وقفت صفية بنت مصطفى فهمي زوجة سعد زغلول في وسط مظاهرة نسائية في القاهرة أمام قصر النيل، فخلعت الحجاب مع مجموعة من النساء، وداسته تحت أقدامها، وفعلت النساء مثلها، والناس ينظرون، ثم أشعلن النار بتلك الأحجبة الملقاة على الأرض، ولذا سُمي هذا الميدان باسم: ميدان التحرير ..!!
قادت الشعراوي معارك تشريعية واجتماعية لتغيير واقع المرأة المحافظة على دينها وثقافتها العربية، وترأست الاتحاد النسائي المصري الذي أنشأته في 1923م وطالبت من خلاله برفع سن الزواج للفتيات إلى 16 عاماً، وتأمين التعليم الثانوي والجامعي للمرأة.
و طالبت الشعراوي بإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، وتقييد حق الرجل في الطلاق الشفهي، والحد من تعدد الزوجات إلا لضرورة يقرها القضاء، وهي مطالب واجهت معارضة فقهية شرسة لكنها مهدت لتعديلات قانونية لاحقة.
و في 18 نيسان / أبريل 1935م (15 محرم 1354هـ) طالبت هدى شعراوي في المؤتمر الثاني عشر للاتحاد النسائي الدولي في مدينة استانبول بإزالة الفوارق الجنسية والدينية بين الشعوب.
و أسست جمعية "المبرة" لرعاية الأطفال والنساء الفقيرات، وأنشأت مشغل الصنائع للفتيات لتمكينهن اقتصادياً.
توفيت هدى الشعراوي في 12 كانون الأول/ ديسمبر 1947م (30 محرم 1367هـ) عن عمر يناهز 68 عاماً، متأثرة بسكتة قلبية، وجاءت وفاتها بعد فترة وجيزة من صدور قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947 (17 محرم 1367هـ) حيث كانت قد أسست "الاتحاد النسائي العربي" للدفاع عن عروبة فلسطين.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
سعد زغلول.. الزعيم "الوطني" الذي أعلنت زوجته الحرب على الحجاب.. وداسته بقدمها

هدى شعراوى (جهة اليسار) وصفية زغلول (جهة اليمين)