• لبنان
  • الجمعة, أيار 22, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 8:12:47 م
inner-page-banner
صفحات تاريخية

فدائيو القلاع الملعونة: كيف أرعب "الحشاشون" أباطرة الشرق ونجا صلاح الدين من خناجرهم المسمومة؟

بوابة صيدا ـ من عتمة القلاع المعلقة في قمم الجبال، انطلقت خناجرهم لتصطاد الخلفاء والوزراء، وتبث الرعب في قلب كل من يرتدي تاجاً. 

"الحشاشون"... أول تنظيم سري حوّل الاغتيال السياسي إلى عقيدة واستراتيجية عسكرية هزت عروش الدولة العباسية و السلاجقة والأيوبيين.

في هذا الملف التاريخي المثير، تأخذكم "بوابة صيدا" إلى داخل قلعة "ألموت" لنكشف كيف دارت حرب الظلال بين حسن الصباح وصلاح الدين الأيوبي، وكيف نجا السلطان من الموت المحتم بضربة خنجر على خده، وقصة الليلة المرعبة التي انتهت بصلحٍ غيّر مجرى الحروب الصليبية!

انشقت الطائفة عن الدولة الفاطمية في مصر بعد وفاة الخليفة المستنصر بالله، في أواخر القرن الخامس هجري/ الحادي عشر ميلادي (تحديداً عام 1090م) حيث أيد حسن الصباح (مؤسس هذه الجماعة) إمامة الابن الأكبر "نزار" ضد أخيه "المستعلي"، ومن هنا عُرفوا بـ "الإسماعيلية النزارية"، و اتخذ من قلعة آلموت في فارس في جبال ديلم (شمال إيران الحالية) مركزاً لنشر دعوته؛ وترسيخ أركان دولته.

تعددت الروايات حول أصل تسمية "الحشاشين":

تعاطي المخدرات: الرواية الأكثر شيوعاً، وتزعم أن مقاتلي الفرقة كانوا يتناولون "الحشيش" قبل تنفيذ عمليات الاغتيال لغياب الوعي والدخول في حالة من "النشوة".

الكلمة الأوروبية (Assassin): يُرجح المؤرخون أن الصليبيين هم من أطلقوا هذه التسمية المشتقة من (Assassin) والتي تعني "القتلة"، وقد حرفها الغربيون لاحقاً لتصبح مرتبطة بنبتة الحشيش بسبب أساطير "جنة الحشاشين".

و يرى بعض المؤرخين والباحثين أن الاسم مشتق من كلمة "المؤسسين" نسبة إلى تأسيس قلعة ألموت، أو "الحشائش" بسبب اعتمادهم على الأعشاب في غذائهم أثناء الحصار.

لم تكن هذه الطائفة مجرد جماعة مسلحة، بل كانت أول تنظيم في التاريخ يعتمد على "الاغتيال السياسي الممنهج والانتقائي" كأداة استراتيجية لتعويض النقص العددي والعسكري، مما ألقى الرعب في قلوب الملوك، الخلفاء، والقادة من الشرق إلى الغرب.

نظرًا لأنهم كانوا أقلية محاطة بالقوى السلجوقية السُنّية الضخمة، أدرك حسن الصباح أن المواجهة العسكرية المفتوحة هي انتحار. استعاض عن ذلك بـ "الاغتيال الانتقائي" لرؤوس النظام (الخلفاء، الوزراء، القادة العسكريين)، معتقدين أن قتل القائد يشتت الجيش دون الحاجة لإراقة دماء الآلاف.

كانت الاستراتيجية العسكرية للحشاشين تعتمد على الاغتيالات التي يقوم بها "فدائيون" (كانوا شباباً يتم اختيارهم بعناية فائقة، ويخضعون لتدريب بدني وعقدي صارم) لا يأبهون بالموت في سبيل تحقيق هدفهم.

شكل صعود السلطان صلاح الدين الأيوبي وتأسيسه للدولة الأيوبية (التي تبنت إحياء المذهب السُنّي والقضاء على الخلافة الفاطمية) تهديداً وجودياً للحشاشين في الشام، والذين كان يقودهم آنذاك "سنان راشد الدين" (شيخ جبل الشام).

حاولت فرقة الحشاشين اغتيال صلاح الدين الأيوبي مرتين، انتقاما منه لإسقاطه الدولة العبيدية الفاطمية.. وتقدمه نحو بلاد الشام لتوحيدها، وضَّمها إلى مصر مما يشكل تهديداً لكيانهم، فتعاونوا مع الصليبيين للقضاء عليه.

أولى المحاولات كانت عام 570هـ/1174م حيث استطاعت جماعة فدائية من اتباع الحشاشين من الوصول إلى خيمة صلاح الدين في معسكره، وحمل عليه أحد الفدائين ليقتله، فانتبه صلاح الدين للمؤامرة فقتله وقتل عسكره المجموعة..

المحاولة الثانية كانت في 5 ذو القعدة 571هـ (22 أيار/ مايو 1176م) حيث دخلت جماعة من الحشاشين إلى معسكر صلاح الدين أثناء حصار قلعة عزاز، وقاتلوا ضمن جيشه، وأثناء مرور صلاح الدين بخيمة أحد الأمراء لتشجيع الجنود على مواصلة القتال، هجم عليه أحدهم وضربه بسكين على رأسه، إلا أن صلاح الدين كان يلبس خوذته الحديدية فوق رأسه، فعاد الرجل وضربه على خدَّه فجرحه، فأمسكه صلاح الدين بيده وحاول إبعاده فانتبه احد الإمراء فسارع إلى قتله، فخرج ثلاثة فدائيين آخرين من المعسكر لقتله فتم قتلهم جميعاً..

بعد النجاة، صبّ صلاح الدين غضبه على الحشاشين وسار بجيشه وحاصر معقلهم الرئيسي في الشام "قلعة مصياف" عام 1176م. تروي المصادر التاريخية (مثل ابن الأثير) أحداثاً درامية؛ حيث قيل إن سنان أرسل تحذيراً مرعباً لصلاح الدين (تسلل فدائي ليلاً إلى خيمة السلطان الحصينة وترك خنجراً مسموماً عند رأسه ورسالة تهديد مع كعك محلي).

أدرك صلاح الدين أن استمرار الصراع مع عدو خفي كالحشاشين سيعطل مشروعه الأساسي وهو "تحرير القدس ومواجهة الصليبيين" وبواسطة من خال السلطان (شهاب الدين محمود تكش)، عُقد صلح سري بين صلاح الدين والحشاشين، تحولوا بموجبه من أعداء إلى نوع من "الحياد الإيجابي"، بل إن بعض المؤرخين يرجحون أن الحشاشين هم من اغتالوا "كونراد دي مونفيراتو" (ملك القدس الصليبي) لاحقاً بخدمة تقاطعت فيها مصالح الطرفين.

لم يكن صلاح الدين الهدف الوحيد للحشاشين، بل نجحت الطائفة في تصفية عمالقة السياسة في ذلك العصر:

الوزير نظام الملك (1092م): وزير الدولة السلجوقية وأحد أعظم وزراء التاريخ الإسلامي، وكان أول ضحية كبرى للحشاشين؛ حيث اغتاله فدائي متنكر في زي صوفي.

الخليفة العباسي المسترشد بالله (1135م)

الخليفة العباسي الراشد بالله (1138م).

فخر الملك بن نظام الملك وعدد لا يحصى من قضاة المذاهب السُنّية والأمراء العسكريين.

ظلت قلاع الحشاشين مستعصية على مدافع الجيوش لقرنين من الزمن، وبعد اجتياح المغول في القرن الثالث عشر للعالم الإسلامي بقيادة "هولاكو" ومحاصرة قلعة "ألموت"، استسلم آخر أئمتهم "ركن الدين خورشاه"، فقام المغول بتدمير القلعة كلياً، وإحراق مكتبتها الضخمة، وتصفية الحشاشين في إيران.

و في الشام كان الظاهر "بيبرس" سلطان مصر والشام، ذكياً، لم يدمر قلاعهم فوراً بل قام بقضم نفوذهم تدريجياً، وعزل قادتهم، واستخدم خبراءهم في الاغتيال لصالح دولته ضد الصليبيين لفترة، ثم انتزع منهم آخر قلاعهم (مصياف والكهف) عام 1273م، وبذلك أُنهي الوجود السياسي والعسكري الفعلي للطائفة، وتحول من تبقى منهم إلى جماعات دينية مسالمة تفرقت في الهند، آسيا الوسطى، وسوريا (وهم أجداد الطائفة الآغاخانية الحالية).

أخرت عمليات الحشاشين توحيد الجبهة الإسلامية لسنوات، لكن سقوطهم مهد الطريق لظهور قوى مركزية كبرى كالمماليك والمغول الذين أعادوا تشكيل خارطة العالم الإسلامي.

 

ــــــــــــــ

إقرأ أيضاً

رمضان الفاو: النصر الذي أنهى الحرب العراقية الإيرانية

المجزرة التي بدأت بكذبة مقتل فتاة مسلمة

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة