بوابة صيدا ـ لم يكن جرس الحصة الأخيرة هو الذي أعلن نهاية اليوم الدراسي في مدرسة "بحر البقر" صباح ذلك الأربعاء الحزين، بل كان عواء طائرات "الفانتوم" ودويّ صواريخ الحقد التي لم تفرق بين ساحة معركة وسبورة فصلٍ ابتدائي.
ببرودٍ عسكريٍّ مطلق، قرر الاحتلال أن يكتب بالدم سطراً هو الأبشع في سجلات القرن العشرين، محولاً ضحكات الأطفال البريئة في ريف "الشرقية" إلى أشلاء مبعثرة بين دفاتر الرسم وعلب الألوان.
اليوم، وبعد مرور 56 عاماً على تلك المأساة، لا تزال صرخة الشاعر صلاح جاهين "الدرس انتهى لموا كراساتكم" تتردد في ضمير الإنسانية، شاهدةً على جريمةٍ لم تمحها الأيام ولم يغفرها التاريخ.
ففي "بحر البقر"، لم يسقط الأطفال وحدهم، بل سقط القناع عن وجه آلةٍ عسكرية لا تفهم سوى لغة القتل، تاركةً خلفها كراساتٍ ملطخة بالدم وقصصاً لم تكتمل لأجيالٍ سحقت طفولتهم قبل أن تبدأ.
عقب احتلال العدو الصهيوني لشبه جزيرة سيناء، في عام 1967م، نشبت حرب استنزاف بين مصر ودولة العدو في ضفتي قناة السويس؛ حيث قامت مصر بشن هجمات موجعة، وكان يرد العدو بضربات موجعة أيضاً، إلا أن ضربات المصريين اصبحت أكثر إيلاماً بين عامي 1968 ـ 1969م، مما أدى إلى وقوع خسائر فادحة في قوات العدو، وكانت اشهر هذه العمليات، عملية "لسان بور توفيق"، التي أوقعت عددا كبيرا من القتلى في صفوف العدو.. مما حدا بجيش الاحتلال إلى تغيير خططه العسكرية، والإستعانة بسلاح الجو.
يقول "زئيف شيف" المحلل الصهيوني في كتابه عن حرب الاستنزاف. أن عملية لسان بور توفيق هي التي أنهت الجدل داخل أروقة القيادة الإسرائيلية حول حتمية تدخل الطيران في المعركة. ويستطرد: " لقد كان هذا النجاح هو أبرز ما حققه المصريون، ومن الواضح أنه كان سيحفزهم إلى نشاط أكبر، لا مناص عن إيقافهم عنه بسرعة ".
كما ذكرت صحيفة "معاريف" نقلا عن المتحدث العسكري الصهيوني: "أمام الضغط الهائل الذي مارسه المصريون في الجبهة، والحياة التي أصبحت لا تطاق على الضفة الشرقية للقناة، أقدمت القيادة الإسرائيلية على استخدام سلاح الطيران، الذي كانت كل الآراء تصر على الاحتفاظ به للمستقبل ".
إلا أن دخول سلاح الجو لم يمنع المصريين من الإغارة على قوات العدو الصهيوني، مما اضطر العدو إلى شن هجمات داخل العمق المصري، فشن عدة غارات في مناطق الدلتا والمعادي وحلوان ودهشور، وقامت طائراته بارتكاب مجزرة في شباط / فبراير عام 1970م بقصفها مصنع أبو زعبل، مما أدى إلى استشهاد 70 شخصاً، وإصابة 69 آخرين، وعللت دولة الاحتلال أن «قصف المصنع جاء بالخطأ».
رغم ذلك لم تتوقف الإغارات المصرية على قوات الإحتلال، مما اربك العدو، فارتكب مجزرة أخرى، ولكن أكثر إيلاماً من سابقاتها، إذ كان الهدف هذه المرة مدرسة أطفال..
في صباح يوم الأربعاء 8 نيسان / أبريل عام 1970م (2 صفر عام 1390 هـ) حلقت 5 طائرات للعدو الصهيوني من طراز فانتوم فوق قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر، وعند الساعة 9.20 صباحاً قصفت الطائرات بشكل مباشر مدرسة "بحر البقر" المشتركة بخمس قنابل (تزن 1000 رطل) وصاروخين، مما أدى إلى تدمير المبنى بشكل الكامل، واستشهاد 30 طفلاً، (وقيل 46 طفلاً) وإصابة 50 آخرين عانى العديد منهم من حروق وبتر في الأطراف... وكانت أعمار الأطفال تقريبًا بين 6 و12 سنة، أي في المرحلة الابتدائية، ومن قدر الله أن عدد الحضور في ذلك اليوم كان 86 تلميذًا فقط من أصل 150 تلميذاً، وإلا لكانت الحصيلة أكبر بكثير.
وأدت الغارات إلى تدمير المدرسة بالكامل وتحويلها إلى أنقاض، و إصابة المنازل المجاورة بأضرار بالغة نتيجة الانفجارات، و تركت المجزرة أثرًا نفسيًا عميقًا في المجتمع المصري، وأصبحت رمزًا للوحشية الإسرائيلية.
نددت مصر بالحادث المروع ووصفته بأنه "عمل وحشي" و "مذبحة متعمدة" و "جريمة حرب" يتنافى تمامًا مع كل الأعراف والقوانين الإنسانية واتهمت الكيان الصهيوني أنه شن الهجوم عمدًا بهدف الضغط عليها لوقف إطلاق النار في حرب الإستنزاف، خاصة في ظل غياب أي وجود عسكري في القرية.
بينما برر الكيان الصهيوني فعله بأنه كان يستهدف أهدافًا عسكرية فقط، وأن المدرسة كانت عبارة عن منشأة عسكرية مخفية، ودافع وزير الدفاع الصهيوني آنذاك "موشيه دايان" عن الهجوم، قائلاً: "إن الصور الجوية أظهرت وجود تحصينات ومركبات مموهة"، و زعم أن "المصريين ربما يكونون قد وضعوا مدرسة ابتدائية داخل قاعدة عسكرية"، (وهو نفس التبرير لمجازر العدو ضد مدارس غزة والتي أدت إلى مقتل المئات من التلاميذ في مدارسهم، خلال حرب طوفان الأقصى منذ 7 تشرين الأول / اكتوبر 2023 (22 ربيع الأول 1445هـ) التي ما زالت مستمرة حتى اليوم، رغم إعلان وقف الحرب التي لم يلتزم به العدو كعادته، وهو نفس التبرير لمجزرة مدرسة "شجرة طيبة الابتدائية" للبنات في مدينة "ميناب" بمحافظة "هرمزغان" في شرق جنوب إيران في صباح أول أيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط / فبراير 2026 (11 رمضان 1447هـ) والتي أدت إلى مقتل 180 طالبة وإصابة 95 طالبة بعضهن بجروح خطيرة).
أثار الهجوم على مدرسة "بحر البقر" حالة من الغضب والاستنكار على مستوى الرأي العام العالمي، فأعربت وزارة الخارجية الأمريكية (حليفة دولة الاحتلال) عن أسفها للحادثة، ووصفتها بأنها "نتيجة مؤسفة ومحزنة أخرى للتجاهل المستمر لقرارات وقف إطلاق النار".
و عبر الاتحاد السوفيتي (حليف مصر آنذاك) عن إدانته الشديدة، واصفاً إياها بأنها "جريمة وحشية" و "رد فعل عاجز".
و تقدمت مصر بمذكرة رسمية للأمم المتحدة تطالب بعقد اجتماع طارئ للمجلس، متهمة المساعدات العسكرية الأمريكية (طائرات الفانتوم) بتمكين إسرائيل من ارتكاب هذا "العمل الهمجي".
يُذكر أنه في حرب أكتوبر 1973 وحسب مصادر الإعلام المصري أسقطت الدفاعات الجوية المصرية طائرة "فانتوم" إسرائيلية فوق بورسعيد، وكان من بين الأسرى الصهاينة كابتن طيار تدعى "آمي حاييم" اعترفت أثناء التحقيق معها أنها شاركت في قصف المدرسة، وقالت: "كنا نعلم أنها مدرسة للأطفال وأردنا توصيل رسالة للمصريين أن أطفالكم هم ثمن جديد ستدفعونه" وقد تم إعادة الطيار لدولة الإحتلال في عملية تبادل اﻷسرى، بين مصر ودولة العدو الصهيوني.
مجزرة بحر البقر لم تكن مجرد حادث عسكري، بل كانت جريمة متعمدة ضد أطفال أبرياء، هدفت إلى بث الرعب وكسر الإرادة المصرية. لكنها على العكس، زادت من صلابة الموقف المصري، وبقيت شاهدًا تاريخيًا على أن استهداف المدنيين لا يُسقط حق الشعوب في المقاومة.
القاتل الذي استهدف مدرسة أطفال في مصر عام 1970، هو نفسه الذي استهدف مدارس غزة طيلة عامين من الحرب (2023 ـ 2025)، ولا يزال (2026)، وهو نفسه الذي استهدف مدرسة أطفال في "مينات" عام 2026، وهو نفسه القاتل الذي يستهدف البنى التحتية اليوم في فلسطين و لبنان وسوريا 2026م.
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً