بوابة صيدا ـ في ليلة العاشر من نيسان عام 1973، كانت بيروتُ تغطُّ في سكونٍ خادع، وشوارع حي "فردان" الراقي تتنفسُ هدوءاً لم يوحِ بوقوع العاصفة. لم يدرك المارة في ذلك الوقت أن "المرأة السوداء" التي كانت تسيرُ بخطى واثقة رفقة مرافقها، لم تكن سوى "إيهود باراك" متنكراً بزيّ النساء، يقود خلفه فرقة من القتلة الذين تسللوا عبر البحر ليلاً، حاملين في قلوبهم غلّ السنين وفي بنادقهم رصاص الغدر.
لم يكن الهدفُ مجرد جدرانٍ وأبواب، بل كان الوصول إلى "المثلث القيادي" الذي أرقّ مضاجع قادة الاحتلال؛ هناك خلف تلك الأبواب، كان كمال ناصر يسطر بكلماته "ضمير الثورة"، وكان كمال عدوان وأبو يوسف النجار يخططون لمستقبل الأرض المحتلة.
في تلك الليلة، قرر الاحتلال أن يتنكر في ثوب الجبن ليغتال "الكلمة" و "البندقية" معاً، في عمليةٍ لم تنتهِ بانسحاب الزوارق المطاطية من شاطئ الرملة البيضاء، بل بدأت بزلزالٍ أمني وسياسي لا تزال ارتداداته تتردد في ذاكرة بيروت وفلسطين حتى اليوم.
في هذا التقرير، نعيد تمثيل مشهد الجريمة في فردان، لنروي كيف استشهد الكبار لتبقى الفكرة حية.
في تلك الليلة 10 نيسان / أبريل 1973م (7 ربيع الأول 1393 هـ) نفذت وحدة كوماندوس إسرائيلية عملية سرية داخل حي فردان في بيروت، وهو حي سكني راقٍ، (عملية فردان أو عملية ربيع الشباب حسب التوصيف الصهيوني) واستهدفت قيادات بارزة في منظمة التحرير الفلسطينية داخل شققهم.
تمكن العدو الصهيوني من اغتيال ثلاثة قادة فلسطينيين من حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، وهم: كمال عدوان، كمال ناصر، و أبو يوسف النجار، هؤلاء كانوا من الصف القيادي لحركة "فتح" ومنظمة التحرير، وكان لهم دور سياسي وإعلامي وتنظيمي مهم، كما قام العدو بتفجير مقر الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
قُتِل اثنان من المهاجمين الإسرائيليين. ونتج عن العملية استقالة رئيس الحكومة اللبنانية صائب سلام، وتدهور علاقات منظمة التحرير الفلسطينية بالسلطة اللبنانية.
صحيفة "يديعوت أحرنوت" العبرية ذكرت تفاصيل العملية بعد 41 عاماً (12 نيسان / أبريل 2014 / 12 جمادى الآخرة 1435هـ) فذكرت ان سفن سلاح البحرية نقلت الجنود الإسرائيليين إلى ميناء بيروت، ومن هناك وصلوا إلى الشاطئ بواسطة قوارب كوماندوس. ولدى وصولهم إلى الشاطئ بملابس مدنية كانت في انتظارهم سيارات محلية يقودها عملاء «الموساد»، وقاموا بإيصالهم إلى الأهداف المختلفة لتنفيذها.
وألقيت مهمة الاغتيال على عاتق "سييريت متكال"، وفي طليعة منفذيها "إيهود باراك" و "عمرام ليفين"، اللذان تنكرا بثياب نسائية ووصل الجنود الصهاينة ليل التاسع والعاشر من نيسان / أبريل 1973 إلى منازل القياديين الفلسطينيين الثلاثة. وأكدت الصحيفة ان نحو 40 فلسطينياً استشهدوا في العملية، فيما أصيب أربعة من الجنود الإسرائيليين.
وفي تفاصيل العملية، أوضحت الصحيفة أن باراك تنكر بزي امرأة سوداء، في حين تنكر نائبه موكي بتسار بزي امرأة شقراء. وقاد باراك الجنود إلى داخل المبنى السكني ووصلوا إليه عند الساعة الواحدة وسبع دقائق بعد منتصف الليل. وفي الوقت نفسه قامت قوة صهيونية أخرى بالتوجه إلى المقر الرئيس للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، والواقع في مبنى مؤلف من 7 طوابق في شارع مركزي يعج بالمارة حيث دارت اشتباكات عنيفة وقام الجنود الصهاينة بزرع عشرات الكيلوغرامات من المتفجرات داخل المبنى، ما أدى إلى انهيار أجزاء منه.
وعن استشهاد أبو يوسف النجار، كتبت «يديعوت احرنوت» أن الشهيد كان في فراشه عندما جرى تفجير مدخل منزله. ودخلت الوحدات الإسرائيلية إلى الشقة، وكان بداخلها زوجته وخمسة من أطفاله. وتوجه نجله البكر يوسف، وكان في السادسة عشرة من العمر ووقف أمام الجنود الإسرائيليين الذين سألوه عن والده باللغة العربية. وعندها ذهل وأسرع باتجاه غرفة والده الذي كان قد استيقظ أيضاً على صوت الانفجار. في هذه الأثناء طلب الشهيد من زوجته أن تناوله المسدس. وحاولت أن تحميه ولكن الجنود الإسرائيليين أطلقوا عليه النار بعد أن صرخ بوجههم «جبناء».
وأشارت إلى أن المجموعات الإسرائيلية عملت في عدة مواقع في بيروت، وعادت إلى البلاد في ساعات الصباح، وكان في استقبال أعضائها رئيس أركان الجيش الصهيوني آنذاك "دافيد إلعازار" وكبار الضباط في الجيش. وكانت رئيسة الوزراء الصهيونية وقتها "غولدا مائير" تتلقى التقارير على التوالي حول سير العملية.
وفي تفاصيل العملية كما جاء في كتاب “ياعيل – مقاتلة الموساد في بيروت”، تتحدث فيه “ياعيل”، وهو اسم مستعار، عن دورها في تصفية القياديين الفلسطينيين الثلاثة بحجة أنهم المخططون للعملية ضد أولمبياد ميونيخ.
وقالت “ياعيل” في مقابلة أجرتها صحيفة “يديعوت احرونوت” الاسرائيلية معها بهدف الترويج للكتاب: إنها كانت تسكن في شقة، في شارع الوليد في بيروت، وهذه الشقة تقع في الطابق السادس، ويملكها لبناني... وكانت شقتا ابو يوسف النجار وكمال عدوان في الطابق السادس لمبنى مقابل، وشقة كمال ناصر في الطابق الثالث في مبنى مجاور، مؤكدة أنها كانت ترى الثلاثة ومَن برفقتهم داخل شققهم من دون أن تحتاج إلى منظار.
وأضافت “ياعيل” أنها في مساء 9 نيسان 1973م (6 ربيع الأول 1393 هـ) التقت “أفيتار”، وهو أحد أفراد وحدة “قيساريا” أي ذراع الموساد الذي ينفذ عمليات اغتيال وتَعقُّب أشخاص مرشحين للاغتيال. وكان اللقاء بينهما في مطعم في بيروت. وأبلغت “ياعيل” “أفيتار” خلال تناولهما العشاء، أن عدوان ونصار والنجار هم في البيت اليوم.
بعد ذلك طلب “أفيتار” من “ياعيل” أن تعود إلى شقتها مباشرة والبقاء في القسم الخلفي، بعيداً من النوافذ. وقالت إنها لم تكن تعرف أن جملتها “هم في البيت اليوم، ثلاثتهم” ستشكل إشارة انطلاق عملية الاغتيال. وفجأة، خلال ساعات الليل، سمعت “ياعيل” ضجيجاً ثم أعقب ذلك إطلاق نار كثيف، وعندما أطلت من نافذة شقتها شاهدت ثلاث سيارات كبيرة، ثم أصبح إطلاق النار كثيفاً أكثر، وكذلك الصراخ. وعندما توقف إطلاق النار سمعت أحداً يقول باللغة العبرية “تعال إلى هنا”، فعلمت أنه تم تنفيذ عملية ضد الثلاثة وربطت بين الأحداث وبين المعلومات التي نقلتها من قلب بيروت إلى مقر الموساد في تل أبيب.
وأشارت “ياعيل” إلى أنها لم تكن تعرف شيئاً عن العملية العسكرية لاغتيال الفلسطينيين الثلاثة، وأن المسؤول عنها، قائد وحدة “قيساريا”، مايك هراري، طلب منها أن تراقب الثلاثة وكل ما يحدث في شققهم. كذلك فإن منفذي العملية والكوماندوز البحري وسرية الكوماندوز التابعة للواء المظليين وأفراد وحدة “قيساريا” لم يكونوا يعرفون “ياعيل”.
من هم القادة الثلاثة الذين اغتالتهم إسرائيل
1. كمال بطرس ناصر: ابن بئر السبع وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، كان المتحدث الرسمي باسم المنظمة، ورئيس دائرة الإعلام والتوجيه القومي، لم يكن عسكرياً، بل كان "المقاتل بالكلمة". شاعرٌ وأديب بليغ، صاغ معظم البيانات السياسية للمنظمة بأسلوب أدبي رفيع، عندما اقتحم جنود الاحتلال منزله في فردان، وجدوه خلف مكتبه؛ أطلقوا عليه الرصاص بوحشية في فمه.
2. كمال عدوان: ولد في قرية "بربرة" المهجرة، وكان من الرعيل الأول لحركة فتح، عضو اللجنة المركزية لفتح ومسؤول "القطاع الغربي"، وهو الجهاز المسؤول عن إدارة العمليات الفدائية داخل الأرض المحتلة، كان يمثل الرعب الحقيقي للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لقدرته الفائقة على التخطيط للعمليات من قلب بيروت وتوجيهها للداخل، استشهد وهو يقاوم المهاجمين داخل منزله وأمام عائلته.
3. أبو يوسف النجار (محمد يوسف النجار): ولد في قرية "يبنا"، وكان أحد مؤسسي حركة فتح، رئيس اللجنة السياسية لشؤون الفلسطينيين في لبنان وعضو اللجنة المركزية لفتح، كان يجمع بين القيادة السياسية والقيادة الميدانية (ارتبط اسمه بجهاز أيلول الأسود)، وكان بمثابة "الأب" للمناضلين والمنسق الأساسي للعلاقات الفلسطينية اللبنانية، اغتيل مع زوجته "رسمية النجار" التي ارتمت فوقه لتحميه بجسدها من رصاص الغدر..
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
المتطرفون اليهود في الجزائر يرتكبون مذبحة وحشية ضد المسلمين في مدينة قسنطينة بمساعدة الفرنسيين
مجزرة قانا... جيش الاحتلال يفجر غضبه بالمدنيين