بوابة صيدا ـ بجرة قلمٍ واحدة، وفي ليلةٍ لم تشبه سابقاتها في تاريخ الأناضول، استيقظ الأتراك ليجدوا أنفسهم غرباء عن تاريخهم، وعاجزين عن قراءة شواهد قبور أجدادهم. لم يكن مصطفى كمال أتاتورك مجرد جنرال عسكري خلع التاج العثماني، بل كان مهندس القطيعة الكبرى الذي قرر أن يقتلع تركيا من جذورها الشرقية ويلقي بها في أحضان الحداثة الأوروبية، معتبراً أن طريق النهضة يمر حتماً عبر هدم قلاع "الخلافة" وتشييد حصون "العلمانية".
"كيف استطاع رجلٌ واحد أن يغير لغة أمة، ويبدل أذان مآذنها، ويفرض القبعة الغربية بدلاً من العمامة والطربوش؟ وهل كان عداؤه للمظاهر الإسلامية مجرد رغبة في التطوير، أم كان مشروعاً لإعادة صياغة العقل التركي بعيداً عن محيطه العربي والإسلامي؟
ولد مصطفى علي رضا في 19 أيار / مايو 1881م (20 جمادى الآخرة 1298هـ) بمدينة سالونيك اليونانية التي كانت تابعة آنذاك للدولة العثمانية وكان أبوه حارساً في قطاع الجمارك، انخرط في البدء في مدرسة دينية، ثم تلقى تعليمه في مدارس عسكرية حديثة، حيث تأثر بالأفكار القومية والثورية التي كانت منتشرة بين الضباط الصغار المعارضين لسلطة الخليفة.
منحه أستاذه في الرياضيات اسم "كمال" تقديراً لتفوقه..
درس العلوم العسكرية في اسطنبول، ثم تدرج في المناصب العسكرية وأصبح بطلاً قومياً بعد قيادته الناجحة للدفاع عن الدردنيل ضد قوات الحلفاء في الحرب العالمية الأولى (1915)، مما جعله نموذجاً للضابط القادر على إنقاذ ما تبقى من الإمبراطورية المنهارة .
انضم إلى جمعية "الاتحاد والترقي"، وعين عام 1921 رئيساً للحكومة من قبل الجمعية الوطنية، حيث دخل في مفاوضات مع الإنكليز ترمي إلى تحويل تركيا إلى جمهورية وإلغاء نظام الخلافة، وهو ما حصل عام 1922 باعتماد دستور علماني.
في يوليو/تموز من عام 1923 وقعت حكومة مصطفى كمال معاهدة لوزان التي كرست قيادته لتركيا باعتراف دولي، فأعلن في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1923م (19 ربيع الأول 1342هـ) ولادة الجمهورية التركية.
في 3 آذار/مارس 1924م (27 رجب 1342هـ) ألغى الخلافة العثمانية، وطرد الخليفة عبد المجيد الثاني وأسرته من البلاد، وبرر ذلك بقوله: "الخلافة ماتت، ولن تعود، فتركيا دولة قومية لا مكان فيها لسلطة دينية"...
وألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، مبررا فعله بالقول: "لن نكون أمة متحضرة إذا ظللنا نحتكم إلى الشريعة، بل يجب أن نأخذ قوانين أوروبا".. "لقد تخلّفنا بسبب الدين، ولن نتقدم إلا إذا قطعنا صلتنا به".
وحوّل المدارس الدينية إلى مدنية، وأزال التكايا، وألغى الألقاب المذهبية والدينية (شيخ الإسلام)، وأغلق كثيراً من المساجد، وحوّل مسجد آيا صوفيا الشهير إلى متحف، (وهو القرار الذي أُلغي مؤخراً في عهد أردوغان).
وجعل الأذان باللغة التركية، بدلاً من "الله أكبر"، صار المؤذنون ملزمين بقول "Tanrı uludur". استمر هذا الوضع لمدة 18 عاماً، ولم يجرؤ أحد على إعادته للعربية إلا بعد وفاة أتاتورك بـ 12 عاماً، وتحديداً في عام 1950 عند وصول الحزب الديمقراطي للسلطة، و برر اتاتورك فرض هذا القانون بالقول: "لن يفهم الشعب دينه إلا بلغته، العربية ليست لغتنا، والأذان يجب أن يكون بالتركية".
و حاول ترجمة القرآن للصلاة به بالتركية، وهو ما قوبل برفض شعبي هائل، مما اضطره وحكومته للتراجع عنه لاحقاً.
وتبنى التقويم الميلادي، وإلغى العطل الإسلامية، و حوّل يوم الجمعة (الذي كان عطلة أسبوعية للصلاة) إلى يوم عمل عادي، وجعل العطلة يومي السبت والأحد كأوروبا.
منع ارتداء "الطربوش" و"العمامة" وفرض ارتداء القبعة الغربية، واعتبر التمسك بالزي التقليدي جريمة يُعاقب عليها القانون. وقد وصل الأمر بـ "اتاتورك" إلى تنفيذ عقوبات الإعدام بحق بعض المعارضين لهذا القانون (مثل الشيخ عاطف الإسكيليبي)، لم يكن الأمر مجرد "موضة"، عنده بل كان صراع هوية، ولذلك اعتبر أتاتورك أن القبعة الغربية هي رمز "العقل المتحضر"، بينما الطربوش الإسلامي رمز "للتخلف والتبعية للماضي".
منع الحجاب في المؤسسات الحكومية والجامعات، وتم وصف الحجاب في الخطابات الرسمية بأنه "رمز للتخلف".
أمر أتاتورك بإلغاء جميع الألقاب العثمانية العريقة مثل (باشا، أفندي، بيك، هانم)، وفرض على كل عائلة تركية اختيار "لقب عائلي" جديد باللغة التركية فقط، فقد كان يريد تحطيم الهيكلية الطبقية القديمة المرتبطة بالخلافة، وصهر الجميع في هوية "المواطن التركي" الجديد. وفي هذه المناسبة، منح البرلمان مصطفى كمال لقب "أتاتورك" (أبو الأتراك)، ومنع أي شخص آخر من حمل هذا اللقب.
حتى منع الموسيقى الشرقية (المقامات) في الإذاعة الرسمية لمدة عامين، وفرض بدلاً منها الموسيقى الكلاسيكية الغربية لـ "ترقية ذوق الشعب"؟"
كتب قوانين مستوحاة من الدستور السويسري، وأعلن أن تركيا دولة علمانية وجعل أنقرة عاصمة للدولة الجديدة بدلا من إسطنبول.
في عام 1928 ألغى استخدام الحرف العربي في الكتابة وأمر باستخدام الحرف اللاتيني في محاولة لقطع ارتباط تركيا بالشرق والعالم الإسلامي.
كان أتاتورك لديه قناعة فكرية تتلخص في:
ربط التخلف بالدين: كان يؤمن بأن سبب سقوط الدولة العثمانية وهزيمتها في الحرب العالمية الأولى هو "الجمود الديني" وسيطرة رجال الدين على مفاصل الدولة.
الانبهار بالنموذج الأوروبي: أراد نقل تركيا من "الشرق" إلى "الغرب" بأي ثمن، ورأى أن العلمانية (بالمفهوم الفرنسي المتطرف) هي السبيل الوحيد للحداثة.
توفي مصطفى كمال بسبب تليف الكبد في 10 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1938م (18 رمضان 1357هـ) وبعد وفاته بخمسة أعوام، منحه البرلمان التركي لقب أتاتورك (أبو الأتراك).
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً
جمهورية "دلال" التي قامت لعدة ساعات: حكاية العبور المستحيل من بيروت إلى تل أبيب