بوابة صيدا ـ في الأول من شباط عام 1979م (4 ربيع الأول 1399هـ) لم تكن طائرة "إير فرانس" الآتية من باريس تحمل مجرد رجل في الثمانين من عمره، بل كانت تحمل زلزالاً سياسياً سيغير موازين القوى في الشرق الأوسط إلى الأبد.
من مدرج مطار "مهر آباد" الذي غص بملايين المستقبلين، انطلقت شرارة التغيير لتعصف بعرش "طاووس" دام ألفين وخمسمائة عام، وتضع حداً لزمن الشاهنشاهية الذي بدا يوماً ما عصياً على السقوط.
ولم يمضِ سوى شهرين، حتى وقف العالم مذهولاً أمام مشهد صناديق الاقتراع في الأول من نيسان (4 جمادى الأولى 1399هـ) حيث استبدل الإيرانيون "التاج" بـ "العمامة" في استفتاءٍ تاريخي أعلن ميلاد "الجمهورية الإسلامية".
رغم الطفرة النفطية في السبعينيات، تركزت الثروة الإيرانية في يد النخبة المحيطة بالشاه، بينما عانى سكان العشوائيات من الفقر، و كان جهاز الاستخبارات (الساواك) يمارس قمعاً وحشياً ضد المعارضين من الإسلاميين واليساريين على حد سواء.
حاول الشاه فرض "الثورة البيضاء" لتحديث المجتمع ونزع الهوية الدينية عنه، لكن الشعب الإيراني المحافظ آنذاك لم يتقبل هذا الأمر.. و كان الشاه مصاباً بالسرطان سراً، مما جعله متردداً في اتخاذ قرارات حاسمة لمواجهة الاحتجاجات المليونية.
في عام 1978م بدأت المظاهرات الطلابية، ثم انتقلت إلى إضرابات شاملة شلت الاقتصاد والنفط.
في 16 كانون الثاني / يناير 1979م (18 صفر 1399هـ) غادر الشاه إيران "في إجازة"، إلا أن الثورة أجبرته على البقاء خارج البلاد إلى حين وفاته..
في 1 شباط 1979م (4 ربيع الأول 1399هـ) وصل الخميني إلى طهران وسط استقبال مليوني تاريخي، بعد أن قضى 15 عاما في المنفى بين تركيا والعراق وفرنسا.
أعلن الجيش الإيراني الحياد، وسقطت آخر معاقل الحكومة الملكية في 11 شباط / شباط (14 ربيع الأول 1399 هـ) يوم انتصار الثورة.
بعد عودته بأسابيع قليلة جرى استفتاء شعبي يومي 30 و31 آذار/ مارس 1979م (2 و 3 جمادى الأولى 1399هـ)
وفي 1 نيسان / أبريل 1979م (4 جمادى الأولى 1399هـ) أعلن الخميني نصراً ساحقاً بنسبة 98.2% من الأصوات لصالح تحويل البلاد من ملكية إلى "جمهورية إسلامية".
لم يكن الناخبون يعرفون تفاصيل الدستور الجديد (الذي وُضع لاحقاً وأقر مبدأ "ولاية الفقيه")، بل كان التصويت بمثابة مبايعة للخميني ورفضاً قاطعاً للماضي.
بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبح الأب الروحي لمعظم الشيعة داخل إيران وخارجها.
استُبدل النظام الملكي الوراثي في إيران، بنظام فريد يجمع بين الهياكل الانتخابية (برلمان ورئيس) وبين السلطة العليا المطلقة لـ "الولي الفقيه".
و تحولت إيران من "شرطي الخليج" وأكبر حليف لأمريكا وإسرائيل في المنطقة إلى رفع شعار العداء لهما "الموت لأمريكا".
بعد نجاح الثورة وتوليه الحكم، أعلن الحرب على العراق تحت مسمى (الدفاع المقدس)، ولكن بعد 8 سنوات من الحرب المدمرة وافق الخميني في 8 آب / أغسطس 1988م (26 ذو الحجة 1408هـ) على وقف إطلاق النار حين حققت القوات العراقية تقدماً ملحوظاً بعد تلقيها دعماً عربياً، ووصف قبوله وقف إطلاق النار بأنه تجرع كأس السم.
كان الخميني يعلن العداء لأمريكا وإسرائيل، ويصفهما بـ "الشيطان"، إلا أنه تعاون هو ونظامه معهما في حربه ضد العراق، وذلك من خلال صفقة (إيران كونترا وتعرف أيضاً بإيران جيت) حيث تم تزويد إيران بأكثر من 2500 صاروخ "تاو" مضاد للدروع وصواريخ هوك أرض جو مضادة للطائرات مقابل إخلاء سبيل خمسة من الأمريكان المحتجزين في لبنان.
كما أيد الخميني عملية احتجاز 53 دبلوماسيا أمريكياً وحارساً كرهائن في السفارة الأمريكية لمدة 444 يوماً في تشرين الثاني / نوفمبر سنة 1979 للضغط على الولايات المتحدة لتسليم شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي، إلا أن بهلوي توفي في تموز / يوليو عام 1980 بينما أطلق سراح الرهائن في كانون الثاني / يناير 1981، اي بعد وفاة الشاه بخمسة اشهر.
توفي الخميني في 3 حزيران / يونيو 1989م (24 شوال 1409 هـ) ودفن في مدينة طهران.
نكتب التاريخ لنفهم الحاضر
"بين نيسان 1979م ونيسان 2026، قطع قطار "الجمهورية الإسلامية" مسافاتٍ شاسعة، محفوفة بالحروب، والتحولات، والصراعات الإقليمية التي لم تهدأ يوماً. فالدولة التي وُلدت من رحم صناديق الاقتراع الخضراء، مدفوعةً بحلم "السيادة والاستقلال"، تجد نفسها اليوم في مواجهةٍ هي الأخطر منذ تأسيسها؛ حيث لم تعد الميادين تضج بهتافات الثورة، بل بأصداء الصواريخ وأخبار "تصفية الحسابات" الدولية.
لقد أثبتت العقود الخمسة الماضية أنَّ الوصول إلى السلطة عبر "مدرج المطار" وصناديق الاقتراع كان الجزء الأسهل، أما الحفاظ على استقرار أمةٍ في قلب العواصف فهو التحدي الذي لا يزال مفتوحاً.
واليوم، بينما تتفاوض طهران في نيسان 2026 على "بقاء النظام" وسط حصار الممرات المائية وتصريحات ترامب النارية، يبقى السؤال الكبير الذي يطرحه التاريخ: هل لا يزال "روح عام 1979" قادراً على الصمود، أم أنَّ رياح نيسان المتقلبة تحمل معها ملامح عصرٍ جديد لم تكن طائرة "إير فرانس" تتخيل هبوطه يوماً؟"
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً