بوابة صيدا ـ في مثل هذه الأيام، اهتزت العاصمة الفرنسية باريس على وقع جريمة استخباراتية غامضة، حولت الغرفة 941 بفندق ميريديان إلى مسرح تصفية لواحد من ألمع العقول النووية العربية.
الدكتور "يحيى المشد"، مهندس المفاعل النووي العراقي، دفع حياته ثمناً لرفضه التنازل عن معايير العلم، ولأنه تجرأ على تهديد احتكار الاحتلال للسلاح الكاسر للتوازن.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم فتح الملف الأسود لـ "اغتيال المشد" لنروي لكم كواليس رفضه لشحنة اليورانيوم الفرنسية، وتفاصيل التخلص من الشاهدة الوحيدة بدهسها في الشارع، وكيف مهدت هذه الجريمة للطائرات الإسرائيلية لقصف مفاعل تموز بعد عام واحد!
ولد يحيى أمين المشد في مدينة بنها بمصر عام 1932. تميز بنبوغه الاستثنائي في الرياضيات والفيزياء، وتخرج من كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية (قسم كهرباء) عام 1952. ثم ابتُعث إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الهندسة النووية، وحصل هناك على الدكتوراه عام 1963.
عاد إلى مصر وانضم إلى هيئة الطاقة الذرية المصرية، ثم انتقل للتدريس في جامعة الإسكندرية وأسس فيها قسم الهندسة النووية ليتخرج على يديه مئات المهندسين الشباب.
بعد تجميد البرنامج النووي المصري مؤقتاً إثر نكسة 1967م، تلقى المشد عرضاً من العراق للعمل مستشاراً استراتيجياً للمشروع النووي العراقي الناشئ.
وافق المشد وانتقل إلى بغداد عام 1975، وغدا "العقل المدبر" ومهندس الاتفاق مع فرنسا لبناء مفاعلي "تموز 1" و"تموز 2" (أوزيريس).
كان الدكتور يحيى المشد متمسكاً بالمعايير العلمية الصارمة، وخلال مطلع عام 1980م، أرسلت فرنسا شحنة من اليورانيوم المخصب إلى العراق بموجب الاتفاق. لكن المشد، بصفته رئيس لجنة فحص الشحنة، رفض استلامها، وأبرق لبغداد موضحاً أن فرنسا أرسلت يورانيوم مخصباً بنسبة غير مطابقة للمواصفات المتفق عليها، مما سيعيق تشغيل المفاعل بكفاءة.
أصرت الشركة الفرنسية على حضور المشد شخصياً إلى باريس لإعادة فحص الشحنة والتفاوض حول التعديلات التقنية.
سافر المشد في حزيران 1980م ونزل في فندق "ميريديان" (Meridien) بباريس.
في مساء يوم الجمعة 13 حزيران 1980م (30 جمادى الآخرة 1400هـ) عُثر على الدكتور يحيى المشد جثة هامدة غارقة في الدماء داخل غرفته رقم (941). وتبين من تقرير التشريح الأولي أنه تعرض لضرب مبرح بآلة حادة على الرأس هشم جمجمته، وتحولت الغرفة إلى مسرح جريمة غامض.
تضاعف الغموض عندما قامت الشرطة الفرنسية بـالتحقيق مع فتاة فرنسية تدعى "ماري إكسبريس" (أو ماري ميرفي)، كانت متواجدة في ممر الفندق وأدلت بشهادتها حول رؤية أشخاص مريبين يدخلون غرفة المشد. وبعد أيام قليلة من الإدلاء بشهادتها، تعرضت ماري لحادث دهس غامض ومفتعل بسيارة مجهولة في شوارع باريس أودى بحياتها فوراً، مما أغلق النافذة الوحيدة لفك لغز القضية.
قيدت السلطات الفرنسية القضية آنذاك ضد "فاعل مجهول" وأغلقت الملف سريعاً لأسباب سياسية واقتصادية، إلا أن التحليلات الأمنية والاستخباراتية أجمعت على وجهة واحدة، الموساد الإسرائيلي (المستفيد الأول والمباشر).
تشير كل الأدلة والوثائق التاريخية إلى أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) هو من خطط ونفذ العملية.
في تلك الحقبة، كانت إسرائيل تعيش رعباً حقيقياً من إمكانية امتلاك العراق لسلاح نووي يهدد تفوقها العسكري في المنطقة (عقيدة بيغن).
لم يكن اغتيال المشد حدثاً منفصلاً، بل كان الخطوة الأولى الحاضرة في عملية أوسع، فبعد التخلص من "العقل المفكر" للمفاعل (المشد)، قام الطيران الحربي الإسرائيلي بعد عام واحد فقط بـ "قصف وتدمير مفاعل تموز العراقي (عملية أوبرا - حزيران 1981)".
في السنوات اللاحقة، بث التلفزيون الإسرائيلي برامج وثائقية وسربت كتب قريبة من الأرشيف الأمني (مثل كتاب "تجسس الموساد في عهد كوهين") اعترافات شبه صريحة بأن تصفية المشد كانت عملية أمنية معقدة للموساد لوقف الطموح النووي العربي، ونُفذت بأيدي وحدة الاغتيالات الخاصة (كيدون).
وأيضا تم عرض فيلم تسجيلي مدته 45 دقيقة، عرضته قناة "ديسكفري" الوثائقية الأمريكية تحت عنوان "غارة على المفاعل"، وتم تصويره بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي.
يتناول الفيلم تفاصيل ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، وفي هذا السياق كان لابد للفيلم من التعرض لعملية اغتيال يحيى المشد في الدقيقة 12:23، باعتبارها "خطوة تأمينية ضرورية لضمان القضاء الكامل على المشروع النووي العراقي".
وعلق فان جاريت: "الموساد أراد توصيل رسالة تثبت أن باستطاعته فعل أشياء وقد فعلوها"، مضيفا: "لقد اكتشف الموساد أن فرنسا على وشك شحن قلب المفاعل إلى بغداد، حيث قامت بوضعه في مخزن حربي بإحدى المدن الفرنسية، ووضعوا عبوتين ناسفتين لتدمير المكان، لكنهم رأوا أن العراقيين يمكنهم تصليح المفاعل خلال 6 أشهر، ولهذا قرر الموساد الانتظار 6 أشهر أخرى".
ويذكر الفيلم أن الموساد "استطاع اختراق مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية، واستطاع تحديد شخصية عالم مصري بارز وهو يحيى المشد يعمل لصالح صدام حسين في باريس، وعرضت عليه المخابرات الإسرائيلية الجنس والمال والسلطة مقابل تبادل معلومات حول المفاعل، وعندما وجد الموساد أن المشد لا يهتم بالتعاون معهم قرروا القضاء عليه".
وينتقل الفيلم إلى المعلق عارضًا مشاهد للفندق الفرنسي وصورًا للعالم، حيث يقول المعلق: "يوم السبت الموافق 14 حزيران / يونيو 1980م (الصحيح هو يوم الجمعة 13 حزيران/ يونيو) حجز الدكتور المشد في فندق ميريديان باريس، لكن عملاء الموساد دخلوا وقتلوه".
ـــــــــــــ
إقرأ ايضاً
يوم دُكّت حصون الشام: قصة الليلة الدموية التي سقطت فيها قلعة دمشق بغدر التتار
سفنٌ تبحر فوق الجبال: كيف صدم "محمد الفاتح" العالم في ليلة سقوط القسطنطينية؟