القسم التاريخي في بوابة صيدا ـ
لم تكن الإمبراطورية البريطانية معتادة على أن يُهزَم جنودها في ميدان مكشوف، على طريق عام، على يد فلاحين ببنادق صدئة. هذا ما كان يعتقده قصر "وستمنستر" وهيئة الأركان في لندن...
حتى جاء صباح 21 حزيران / يونيو 1936م (2 ربيع الثاني 1355هـ) في منطقة لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار في "نور شمس"، بالقرب من طولكرم، كُتبت أولى آيات المواجهة المباشرة في ثورة فلسطين الكبرى.
المعركة التي استمرت "تسع ساعات من الصمود" لم تكن مجرد اشتباك عابر، بل كانت بمثابة زلزال عنيف هز أسس الانتداب. إنها النقطة الفاصلة التي أثبتت أن الثورة الفلسطينية قادرة على الانتقال من ساحة الاحتجاج والإضراب إلى ساحة القتال المفتوح.
خريطة الثورة التي رسمتها لندن في مخيلتها ـ والتي تفترض أن الضعفاء يركعون أمام الدبابات ـ تمزقت إرباً عند أوتار تلك البنادق الفلسطينية.
تعالوا لنروِ لكم في "بوابة صيدا" كيف انتصرت "العزيمة" على "الحديد"، وكيف غيرت تلك الساعات التسع مصير ثورة بأكملها.
منذ وعد بلفور (1917) وبداية الاحتلال البريطاني، ازدادت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتكثفت المصادمات بين العرب واليهود والبريطانيين. كان العرب يرون في ذلك تهديداً وجودياً لهويتهم ومستقبلهم.
و شكل استشهاد الشيخ عز الدين القسام على يد البريطانيين في تشرين الثاني / نوفمبر 1935 نقطة تحول نفسية هائلة. و تحول القسام إلى رمز وملهم للثورة، وأظهر أن العمل المسلح هو السبيل الوحيد لتحقيق الأهداف الوطنية.
في 19 نيسان / أبريل 1936م (27 محرم 1355هـ) نفذ الفلسطينيون إضراب عام شامل وغير مسبوق في فلسطين، قاده المجلس الإسلامي الأعلى برئاسة الحاج أمين الحسيني. كان الإضراب احتجاجاً على السياسات البريطانية والهجرة اليهودية، وهدف إلى الضغط على بريطانيا لوقفها. استمر هذا الإضراب لستة أشهر، وتحول بسرعة إلى حركة عصيان مدني ومواجهات مسلحة .
في منطقة طولكرم ونابلس، تشكلت فصائل مسلحة محلية عُرفت باسم "الفصائل" أو "العرابات"، قادها شخصيات وطنية مؤثرة مثل إبراهيم نصار وعبد الرحيم الحاج محمد، الذي أصدرت سلطات الانتداب مذكرة اعتقال بحقه .
و كانت معركة نور شمس تتويجاً طبيعياً لهذا التصعيد، حيث انتقلت الثورة من الإضراب المدني إلى المواجهة المسلحة الشاملة.
في صباح يوم 21 حزيران / يونيو 1936م (2 ربيع الثاني 1355هـ) شهدت الطريق الساحلي الرئيسي قرب قرية عنبتا (بالقرب من طولكرم) حدثاً مفصلياً:
نصب نحو 60 - 70 مقاتلاً عربياً كميناً محكماً لقافلة من الحافلات المدنية التابعة لشركة "إيجد"، والتي كانت تنتقل من حيفا إلى تل أبيب تحت حراسة عسكرية بريطانية .
قطع المهاجمون الطريق بـ"متاريس حجرية"، وعندما توقفت القافلة لإزالتها، أطلقوا النار بكثافة من مواقع محصنة على جانبي الطريق .
تحول الكمين بسرعة إلى "معركة ضارية" استمرت حوالي تسع ساعات، من الحادية عشرة صباحاً حتى حلول الليل . استطاع المقاتلون الفلسطينيون صد القوات البريطانية لساعات طويلة.
اضطر البريطانيون لاستدعاء تعزيزات كبيرة شملت ثلاث كتائب من "اللواء 16" (ما يقدر بنحو 450 جندياً) بقيادة العميد جون إيفيتس، إضافة إلى أربع طائرات حربية . كان هذا أكبر حشد عسكري بريطاني تشهده الثورة حتى ذلك الوقت.
كان التفوق الجوي هو العامل الحاسم. تمكنت الطائرات البريطانية من قصف مواقع المقاتلين وفصلهم إلى مجموعتين، مما مكن القوات البرية من تطويقهم وإجبارهم على الانسحاب .
أسفرت المعركة عن مقتل 10 - 11 مقاتلاً عربياً وإصابة 4 آخرين، في مقابل مقتل جنديين بريطانيين (الرقيب هنري سيلز وجندي من فوج اسكتلندا الملكي) وإصابة 3 .
تم نقل جثمان الرقيب سيلز إلى كهف قريب، وهو ما استخدمته سلطات الانتداب لاحقاً لتبرير عمليات انتقامية، حيث قامت بتفجير الكهف .
شن الجيش البريطاني في اليوم التالي سلسلة من العمليات العسكرية في المنطقة، مما يشير إلى مدى التهديد الذي شكلته هذه المعركة في نظرهم .
على النقيض من التوقعات البريطانية التي ربما راهنت على إضعاف الروح المعنوية، فإن المجلس الإسلامي الأعلى استغل صمود المقاتلين في نور شمس لتعزيز الإضراب العام وتشجيع الشعب على مواصلة النضال، معتبراً إياه دليلاً على قدرة الثوار على مواجهة الآلة العسكرية البريطانية .
ويصف المؤرخ إحسان النمر المعركة إحسان النمر، في "تاريخ جبال نابلس والبلقاء ج3. ص 252" فيقول: حدثني السيد إبراهيم نصار قائد هذه المعركة فقال: "وردتني كمية من الفشك وبطاقة من سليمان بك طوقان، يذكر فيها أن فرقة من البحارة الإنجليز، ستمر آتية من حيفا إلى نابلس، فرابطت لها، بدأت المعركة بعشرة أشخاص الساعة الواحدة بعد الظهر، وتوالت علي النجدات، وقد جعلت بين كل واحد وآخر عشرة أمتار، وبعد إقامة السدود، وصل الجيش، فأطلقنا عليه نيران بنادقنا وهم يجيبون، وقد استمر امتداد السدود والمرابطين، إلى مسافة عشر كيلو مترات، ودامت المعركة تسع ساعات، وقد بلغ عددنا المئات، وتكبد الجيش البريطاني، خسائر منها طائرة أسقطناها، ولم نخسر سوى شهيدين وبضعة جرحى".
ووصفت جريدة فلسطين الحدث فقالت: "بعد ظهر هذا اليوم، كانت دبابتان وسيارتان كبيرتان، ملأى بالبوليس الإنكليزي والعربي متجهة شطر نابلس، ومن شرقي نور شمس، هاجمهم مجهولين وتبادلوا اطلاق العيارات النارية، فجرح عربي من العصابة، وجرح عدة جنود انكليز مع بوليس عربي، ونقلو جميعهم إلى مستشفى نابلس، وقطعت عشرة خطوط تلفونية". وفي البلاغ الرسمي: "اطلقت العيارات النارية على القافلة التي تسير بين نابلس - طولكرم، فاجابت القافلة باطلاق النار".
لم تكن معركة نور شمس مجرد كمين أو مناوشة حدودية، بل كانت لحظة حاسمة أظهرت للعالم وللشعب الفلسطيني نفسه قدرة الثورة على التصدي بقوة، وأجبرت الإمبراطورية البريطانية على إعادة حساب معادلاتها العسكرية والسياسية في فلسطين، مما جعلها واحدة من أيقونات المقاومة والصمود في تاريخ فلسطين الحديث.
ــــــــــــــ
إقرأ ايضاً:
عندما احتفل العالم بالحرية وأبادت فرنسا 45 ألف جزائري!
سقوط "شيطان الموساد" في دمشق: قصة اللاسلكي الذي شنق إيلي كوهين في ساحة المرجة