القسم التاريخي في بوابة صيدا
قبل قرون طويلة من توظيفها في القرن العشرين، ولدت "الشارة الصفراء" بمرسوم ملكي رسمي في باريس!
في مثل هذا اليوم، 19 حزيران لعام 1269م (11 شوال 667هـ) أصدر ملك فرنسا لويس التاسع قانوناً سادياً يفرض الغرامة والسجن على اليهود الذين لا يضعون قماشاً أصفر على ثيابهم لعزلهم عن المجتمع.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم فتح دفاتر القرون الوسطى المنسية: لنروي لكم كواليس مجمع اللاتران الكنسي، وكيف تحول لون القماش إلى تصريح علني للاعتداء والنهب، ممهداً لأكبر عملية طرد جماعي في تاريخ أوروبا!
لم يكن قرار الملك لويس التاسع (المعروف في التاريخ الكاثوليكي بـ "القديس لويس") وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لتوجهات كنسية بدأت قبل عقود.
فقد أصدر البابا إينوسنت الثالث في مجمع اللاتران الرابع (1215م) قراراً مسيحياً عاماً يطالب بفصل اليهود بصرياً عن المجتمعات المسيحية عبر ملابس ممتلئة بعلامات فارقة، تلافياً لـ "الاختلاط الديني والزيجات المختلطة".
كان لويس التاسع ملكاً شديد التدين والالتزام بالعقيدة الكاثوليكية، ويقود حملات صليبية (مثل الحملة الصليبية السابعة) وكان يرى أن واجبه الديني كملك لفرنسا يفرض عليه "تطهير" مملكته وحماية رعاياه المسيحيين من أي تأثيرات دينية خارجية.
في 19 حزيران/ يونيو 1269م (11 شوال 667هـ) أصدر لويس التاسع مرسوماً ملكياً صارماً يُلزم جميع اليهود في فرنسا (رجالاً ونساءً من سن العاشرة فما فوق) بوضع علامة دائرية من القماش الأصفر على ملابسهم الخارجية (الشارة الصفراء) من الأمام والخلف لتكون ظاهرة للعيان بشكل دائم.
نص القانون على أن أي يهودي يُضبط في مكان عام دون هذه الشارة، يُعاقب بفرض غرامة مالية باهظة تعادل "عشرة ليرات فضية" وتذهب هذه الأموال مباشرة إلى الخزانة الملكية أو للمخبرين الذين يبلغون عن المخالفين.
وفي حال تكرار المخالفة أو العجز عن دفع الغرامة، كان القانون يفرض السجن الفوري ومصادرة الثياب الخارجية للشخص المخالف كإجراء تأديبي رادع.
تنوعت دوافع البلاط الملكي الفرنسي وراء فرض هذا التمييز البصري.
كان الهدف الأساسي خلق "عزل اجتماعي ونفسي" فبمجرد سير الشخص في الشارع، يعرف الجميع هويته الدينية، مما يمنع الاحتكاك الثقافي أو التجاري العفوي، ويسهل على الكنيسة مراقبة تحركاتهم.
و كانت الغرامات المترتبة على المخالفة مصدراً مالياً إضافياً للدولة، فضلاً عن أن إجبارهم على ارتداء شارة بلون موحد (الأصفر الذي كان يرمز آنذاك في الثقافة الأوروبية للخيانات والإنكار) كان يستهدف الحط من مكانتهم الاجتماعية ودفعهم نحو اعتناق المسيحية هرباً من التمييز.
أحدث هذا المرسوم شرخاً عميقاً في بنية المجتمع الفرنسي في القرون الوسطى، فقد تحولت الشارة الصفراء إلى "هدف متحرك" إذ سهلت على الغوغاء والمتطرفين التعرف على اليهود في الأسواق والطرقات، مما ضاعف من حوادث الاعتداء الجسدي، اللفظي، والنهب تحت غطاء شرعي وقانوني.
هذا التميز البصري عزز النظرة الدونية لليهود كـ "أجانب خطيرين" داخل فرنسا، مما مهد الطريق سياسياً ونفسياً للقرارات الأكثر راديكالية اللاحقة، مثل قرار الملك فيليب الرابع (حفيد لويس التاسع) بطرد اليهود نهائياً من فرنسا ومصادرة أملاكهم عام 1306م.
ــــــــــــــ
إقرأ ايضاً
المسيحيون يقتلون بعضهم.. البروتستانت ضحايا التعصب الكاثوليكي