• لبنان
  • الجمعة, شباط 27, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 1:28:44 م
inner-page-banner
من صفحات التاريخ

مذبحة (البيكو): حين أباد الأنغلوسكسون البشر.. ثم حاولوا اغتيال التاريخ

بوابة صيدا

"في فجرِ 26 ايار / مايو عام 1637م (2 محرم 1047هـ) لم تشرق الشمسُ على ضفافِ نهر 'ميستيك' بنورِها المعتاد، بل أشرقَ جحيمٌ أرضيٌّ صنعتهُ أيادٍ ادَّعت حَمْلَ الرسالةِ وبناءَ 'المدينةِ فوق الجبل'. في ساعاتٍ معدودة، تحولت قرية قبيلة 'البيكو' إلى تنُّورٍ بشريٍّ هائل؛ حيث لم يكن المستعمرون الأنغلوسكسون يطمحون للنصرِ فحسب، بل كانوا يسعون وراءَ 'العدم'.

لم تكن المأساةُ في إحراقِ مئاتِ النساء والأطفال وهم أحياء، ولا في استبدالِ صرخاتِ الضحايا بصلواتِ الشكرِ 'البيوريتانية' فوق جثثهم المتفحمة.. بل كانت المأساةُ الكبرى فيما حدث بعد ذلك.

ففي سابقةٍ هي الأغربُ في تاريخِ الوحشية، لم يَكتفِ الغزاةُ بمحوِ البشر، بل استصدروا قانوناً يحظرُ حتى 'ذِكر اسم القبيلة'، وحوّلوا أسماء الأنهار والمدن لتختفي 'البيكو' من سجلاتِ الوجود، وكأنهم لم يطؤوا هذه الأرضَ يوماً.

هذه ليست مجرد حرب، بل هي القصةُ المسكوتُ عنها لأولِ إبادةٍ جماعيةٍ مُمنهجةٍ في 'العالم الجديد'؛ حيثُ اجتمعَ الرصاصُ مع القانونِ والمحوِ اللغوي، لارتكابِ جريمةٍ مُزدوجة: قَتْلُ شعبٍ.. ثم محاولةُ اغتيالِ ذكراهُ إلى الأبد."

كانت قبيلة "البيكو" قوية ومهيمنة في منطقة جنوب نيو إنجلاند (كونيتيكت حالياً)، وتسيطر على تجارة الفراء. تذرع المستعمرون الإنجليز بمقتل تاجر بريطاني (كان سيئ السمعة ومرفوضاً حتى من قومه) لشن حرب شاملة، لكن الهدف الحقيقي كان كسر شوكة القبيلة والسيطرة على أراضيها الخصبة.

وقعت الجريمة الكبرى (مذبحة "ميستيك") في فجر يوم 26 أيار / مايو 1637م، (2 محرم 1047هـ) حيث قاد المستعمران "جون ميسون" و "جون أندرهيل" قوة من المستعمرين وحاصروا قرية "ميستيك" المحصنة التابعة للبيكو.

عندما وجد المستعمرون صعوبة في اقتحام القرية بالسلاح، أمر "جون ميسون" بإضرام النار في الأكواخ الخشبية، وكانت التعليمات تقضي بقتل كل من يحاول الخروج من النار. قُتل في تلك الليلة ما بين 400 إلى 700 من الهنود، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن الذين احترقوا أحياءً.

لم يكتفِ المستعمرون بالقتل، بل سعوا لإبادة "البيكو" من الذاكرة التاريخية، فقد أعلنوا في معاهدة "هارتفورد" عام 1638م أن قبيلة "البيكو" قد أُبيدت رسمياً، وبموجب القانون حُظر على أي ناجٍ من القبيلة أن يطلق على نفسه اسم "بيكو"، كما تم تغيير اسم نهر "بيكو" إلى نهر "التايمز"، وتغيير اسم قرية "بيكو" إلى "نيو لندن". وتم توزيع الناجين كعبيد على القبائل الأخرى الموالية للإنجليز، أو شحنهم كعبيد إلى جزر الهند الغربية (برمودا) لضمان تشتيت شملهم للأبد.

وبرر المستعمرون الأنغلوسكسون المجزرة بأنها "حرب عادلة" ضد قبيلة اعتبروها معادية وخطيرة، واستخدموا التوراة لتبرير الجريمة؛ حيث وصفوا أنفسهم بأنهم "بنو إسرائيل" يدخلون "أرض كنعان"، واعتبروا الهنود "عماليق" يجب إبادتهم بأمر إلهي لتطهير الأرض للمؤمنين.

كيف وُصفت هذه المجزرة في مذكرات القادة الإنجليز؟

تُعد مذكرات القادة الإنجليز الذين نفذوا مجزرة "ميستيك" من أكثر الوثائق التاريخية صدمة، ليس فقط بسبب ما احتوته من تفاصيل دموية، بل بسبب "لغة التشفي" والصبغة الدينية التي أضفوها على الإبادة.

إليك كيف وصف القائدان المستعمران الرئيسيان، "جون ميسون" و "جون أندرهيل"، الأحداث في مذكراتهما:

القائد جون ميسون في كتابه "تاريخ حرب بيكو" (A History of the Pequot War)، وصف ميسون لحظة إحراق القرية وكأنها "عمل إلهي"، حيث كتب: (عن حرق الأحياء) "لقد ألقى الله بهم في التنور.. لقد شواهم في محرقة عظيمة، وكان منظر الدماء وهي تطفئ النار رهيباً، لكن النصر كان عظيماً بفضل نعمة الرب".

و عن مبرر القتل، وصف الضحايا بأنهم "أعداء الرب" الذين استحقوا هذا المصير، واعتبر أن رائحة الشواء كانت "رائحة طيبة تصعد إلى السماء" لأنها تعني تطهير الأرض.

كتب القائد الإنجليزي "أندرهيل" في مذكراته واصفاً المشهد ببرود: "لقد كانت النار تشويهم، وكان منظر دمائهم وهي تطفئ النار رهيباً.. لكن النصر كان عظيماً".

أما القائد جون أندرهيل، فقد كان أكثر صراحة في وصف الوحشية في مذكراته المعنونة بـ "أخبار من أمريكا" (Newes from America)، حيث قال: "لقد كانت النار تشويهم، وكان منظر دمائهم وهي تطفئ النار رهيباً.. لكن النصر كان عظيماً".

و كتب عن تبرير قتل النساء والأطفال قائلاً: "قد يتساءل البعض: لماذا كانت القسوة شديدة إلى حد ذبح النساء والأطفال؟ أجيب: أحياناً يقرر الرب في كنيسته أن يعاقب الأمم الوثنية بالاستئصال التام، كما فعل مع العماليق في التوراة" و وصف المشهد الفظيع للمحاصرين داخل النار وهم يحاولون التسلق على الأسوار المحترقة ليتم اصطيادهم بالسيوف والرصاص، معتبراً ذلك "عدلاً إلهياً" لا ينبغي التشكيك فيه".

و اتفق القادة الانجليز في مذكراتهم على استخدام لغة مستمدة من العهد القديم (التوراة): فقد كانوا يصفون أنفسهم بأنهم "بنو إسرائيل الجدد"، ويصفون قبيلة البيكو بـ "الكنعانيين" أو "العماليق"، و اعتبروا أن "السيف والنار" هما أدوات الرب لتنظيف "الأرض الموعودة" من الأرجاس الوثنية.

و وصفوا في نهاية مذكراتهم بكل فخر كيف أن اسم "البيكو" قد شُطب من تحت السماء، حيث كتب ميسون: "لقد صاروا كأن لم يكونوا.. لقد أُبيدت ذكراهم ولم يعد لهم اسم بين الأحياء".

يقول القبطان "جورج فانوفكر" في يومياته عام 1793 "أثناء رحلاتنا، ولا سيما في رأس ديسكوفري كنا نرى تلالا من الجماجم والأعضاء وعظام الصدر مبعثرة على طول الشاطئ، وقد أخبرني أعواني أنهم شاهدوا في تجوالهم هناك كثيرا من هذه المقابر الخرافية العائمة، مما يعني أن ديسكوفري كلها كانت مقبرة لكل من جاورها من هذه المناطق التي كانت عامرة بالسكان". 

كما أن واشنطن عاصمة الولايات المتحدة مبنية فوق "مقبرة جماعية" كانت في يوم من الأيام مدينة "هندية حمراء" تُدعى "نَكان شَتَنكه". وتعتبر مركزاً تجارياً مهماً لشعب "كونوي" على ضفاف نهر "بوتومك"، قبل أن يبني الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن (1732 - 1799) عاصمته على أنقاضها.

أما "كونوي" فهو اسم الشعب المدفون تحت مدينة واشنطن، وهذا الشعب واحد من 400 ثقافة وأمة كان أفرادها يبلغ عددهم 112 مليون إنسان لاحقهم الموت فدُفنوا تحت المدن والمزارع والحقول التي كانت ذات يوم لهم، ومُحيت لغتهم وذكرياتهم وكل ثقافتهم على يد الأوروبيين البيض الذين وصلوا إلى القارة الأمريكية في العالم الجديد واستوطنوها.

هذه الجريمة كانت بمثابة "كتالوج" سار عليه المستعمرون لاحقاً في التوسع نحو الغرب.  

(المصدر: بوابة صيدا + مواقع التواصل + ويكابيديا)

 

ـــــــــــــــ

إقرأ ايضاً

قانون فرنسي بتغريم كل يهودي لا يضع الشعار الأصفر على ثيابه لتفريقه عن المسيحي

الروس يرتكبون مذبحة ضد اليهود في مدينة "بياليستوك" شمال وارسو..

 

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة