ثلاثة أيام من الجحيم: قصة مذبحة بياليستوك التي سفك فيها الروس دماء اليهود لحماية عرش القيصر
بوابة صيدا ـ في مثل هذه الأيام من عام 1906م، عاشت مدينة بياليستوك الروسية ثلاثة أيام من الجحيم والدم والنيران في واحدة من أبشع مجازر التطهير العرقي والديني مطلع القرن العشرين.
بتدبير سري من الشرطة القيصرية وتواطؤ من الجيش، سِيق آلاف المدنيين العزل إلى مقصلة المذابح بذريعة "حماية العرش من الثورة".
تعيد "بوابة صيدا" اليوم فتح الملف المنسي لـ "مذبحة بياليستوك" لنكشف لكم بالأرقام والوثائق الأكاديمية كيف تحول الصراع الطبقي والسياسي إلى مأساة بشرية دفعت بمئات الآلاف للفرار عبر الأطلسي، وصاغت من جديد خارطة التوازنات السياسية والديموغرافية في العالم!
عاشت روسيا القيصرية ويلات "ثورة 1905" ضد حكم القيصر نيقولا الثاني.
كانت بياليستوك مركزاً رئيسياً للنشاط الثوري الراديكالي وحركات العمال (مثل منظمة "البوند" اليهودية الاشتراكية).
وظّفت السلطات القيصرية والشرطة السرية المشاعر المعادية لليهود لإلقاء لوم الثورة والاضطرابات السياسية بالكامل على عاتق اليهود، وتسويق فكرة أنهم "أعداء القيصر والوطن" لتشتيت الانتباه عن الفساد الملكي.
كانت بياليستوك مدينة صناعية مزدهرة بقطاع النسيج، وكان اليهود يشكلون أغلبية السكان (قرابة 70%) ويمتلكون العديد من المصانع والمحلات التجارية، كما كان يعمل آلاف منهم كعمال نقابيين.
خلق هذا الوضع تنافساً اقتصادياً حاداً واحتقاناً طبقياً بين الطبقة العاملة الروسية والمسيحية المحلية من جهة، وبين المجتمع اليهودي من جهة أخرى، ولا سيما مع تكرر الإضرابات العمالية التي شلت الحركة الاقتصادية.
غذّت الصحافة اليمينية القومية الروسية والكنيسة الأرثوذكسية (الموالية للقيصر) خطاب كراهية مستمر، وزرعت في وعي العوام شعارات تزعم أن اليهود يسعون لتدمير المسيحية وروسيا المقدسة، مما خلق بيئة اجتماعية مشحونة ومستعدة للانفجار عند أول شرارة.
جاءت الذريعة المباشرة في 12 حزيران / يونيو 1906م / (19 ربيع الآخر 1324هـ) خلال موكب ديني مسيحي كاثوليكي وأرثوذكسي في شوارع المدينة، حيث زُعم أن قنبلة أُلقيت على الموكب من قِبل فصيل يهودي ثوري (تبين لاحقاً أنها إشاعة أطلقتها أجهزة الأمن القيصرية لتبرير الهجوم).
انطلقت جموع الغوغاء والجنود الروس المحتشدين في المدينة بشن هجوم منظم ومنسق ضد الأحياء اليهودية، واشترك قادة الجيش والشرطة القيصرية مباشرة في توجيه المهاجمين بدلاً من حماية المدنيين.
استمرت أعمال القتل والنهب والحرق لمدة ثلاثة أيام متواصلة، واقتُحمت المنازل والمحلات التجارية اليهودية، ونُفذت عمليات قتل بالبلطات والأسلحة النارية، ولم تُستثنَ النساء أو الأطفال أو الشيوخ.
حاول شباب المنظمات اليهودية (مثل البوند) تشكيل مجموعات "دفاع ذاتي" مسلحة للتصدي للمهاجمين وحماية أحيائهم، إلا أن الجيش الروسي النظامي تدخل بقوة لسحق هذه المجموعات، مما جعل السكان العزل فريسة سهلة للمذابح.
أسفرت المذبحة عن مقتل ما بين 88 إلى 200 يهودي (تختلف الإحصاءات الرسمية عن شهادات المؤرخين)، وإصابة مئات آخرين بجروح بليغة وعاهات مستديمة.
و نُهب ودُمر أكثر من 120 محلاً تجارياً ومصنعاً، واحترقت مئات المنازل، مما جعل آلاف العائلات اليهودية بلا مأوى أو مصدر رزق في غضون أيام.
عمقت المذبحة القناعة لدى يهود روسيا بأنه لا أمان لهم تحت حكم القياصرة. مما أدى إلى تسريع وتيرة الهجرة الجماعية الكبرى صَوْب الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا الغربية، وهاجر مئات الآلاف خلال تلك الحقبة فراراً من الموت.
و شكلت المجزرة دافعاً أساسياً لانتعاش "الحركة الصهيونية" وفكرة "الوطن القومي" واقتنع قطاع واسع من الشباب اليهودي بضرورة الهجرة إلى فلسطين (ما عُرف تاريخياً بـ "الهجرة الثانية")، حيث كان العديد من قادة الكيان الإسرائيلي لاحقاً من جيل المهاجرين الفارين من مذابح روسيا في تلك الفترة.
ــــــــــــ
إقرأ ايضاً
كيف حوّلت خناجر السياسة ومحاكم "الهرطقة" ابنة الـ 19 عاماً "جان دارك" إلى قديسة؟
انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية.. ومقتل أكثر من نصف مليون أمريكي