خلص رأي استشاري قانوني جديد أصدره مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات إلى أن الإجراءات والتشريعات الإسرائيلية الهادفة إلى إقرار وتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين تتعارض بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مؤكداً أن حق الأسرى في الحياة والحماية القانونية يُعدّ من القواعد الآمرة الملزمة للمجتمع الدولي كافة.
وجاء الرأي الاستشاري، الذي أعدّه أستاذ القانون الدستوري ووزير العدل الفلسطيني الأسبق أ. د. أحمد مبارك الخالدي، في ظل التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة الإسرائيلية، ومنها إعلان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في 17 أيار/ مايو 2026 بدء إجراءات تطبيق قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، إلى جانب توقيع قائد القيادة الوسطى في جيش الاحتلال على تعديلات تتيح تنفيذ هذه العقوبة، فضلاً عن مصادقة الكنيست على إنشاء محكمة عسكرية خاصة لمعتقلي أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر.
ويؤكد الرأي أن ما يُسمّى "قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" يفتقر إلى أي أساس قانوني مشروع، ويشكّل خرقاً واضحاً لمنظومة الحماية التي أقرّها القانون الدولي للأسرى والمدنيين الواقعين تحت سلطة الدولة المحتجِزة، سواء كانوا من المدنيين أو من المقاتلين المشاركين في حركات التحرر الوطني.
ويشرح البروفيسور الخالدي أن القانون الدولي يميز بين فئتين من الأسرى: المدنيون الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية أو ألقوا السلاح، والمقاتلون الذين تنطبق عليهم أحكام اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بأسرى الحرب. وفي الحالتين، يحظر القانون الدولي أي اعتداء على حياتهم أو كرامتهم أو حقوقهم الأساسية، ويلزم الدولة الآسرة بضمان سلامتهم الجسدية والنفسية.
وتستعرض الدراسة مجموعة واسعة من النصوص القانونية الدولية التي تكفل حقوق الأسرى، وعلى رأسها اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949، التي تنص على وجوب معاملتهم معاملة إنسانية، واحترام أشخاصهم وكرامتهم، وتوفير الغذاء والرعاية الطبية والمأوى المناسب لهم، فضلاً عن ضمان حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية وعدم تعريضهم لأي شكل من أشكال الانتقام أو العقوبات التعسفية. ويشير الرأي الاستشاري إلى أن هذه الحقوق لا تُعدّ مجرد التزامات تعاقدية بين الدول، بل تدخل ضمن "القواعد الآمرة" في القانون الدولي، وهي قواعد لا يجوز مخالفتها أو الانتقاص منها تحت أي ظرف. كما يلفت الانتباه إلى أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عرّفت هذه القواعد باعتبارها ملزمة للمجتمع الدولي بأسره.
وفي سياق متصل، يستند الرأي إلى قرارات عديدة صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت شرعية نضال الشعوب الواقعة تحت الاحتلال أو السيطرة الاستعمارية من أجل تقرير مصيرها. ومن أبرز هذه القرارات القرار 2787 لعام 1971 والقرار 3103 لعام 1973، اللذان اعتبرا أن كفاح الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية يُعدّ نضالاً مشروعاً ومتوافقاً مع مبادئ القانون الدولي. وبناءً على ذلك، يرى الخالدي أن الأسرى الفلسطينيين الذين وقعوا في الأسر بسبب مقاومتهم للاحتلال يتمتعون بالحماية الكاملة التي توفرها اتفاقيات جنيف، وأن أي محاولة لحرمانهم من هذه الحماية أو المساس بحقهم في الحياة تمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني.
وتخصص الدراسة حيزاً مهماً لبيان المسؤولية الجنائية الدولية المترتبة على مثل هذه السياسات، موضحة أن المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعدّ القتل العمد والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والتسبب المتعمد في المعاناة الشديدة من جرائم الحرب. كما تشير إلى أن الحرمان التعسفي من الحرية والاحتجاز واسع النطاق والإجراءات العقابية غير القانونية قد تندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
وترى الدراسة أن السياسات الإسرائيلية المتعلقة بالأسرى، بما فيها الاعتقال الإداري طويل الأمد والمحاكم العسكرية الاستثنائية والسعي إلى فرض عقوبة الإعدام، تمثل نموذجاً صارخاً للتمرد على قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي طالبت مراراً إسرائيل باحترام التزاماتها القانونية كقوة احتلال. كما تستعرض الدراسة سلسلة من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة التي أدانت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، وأكدت عدم مشروعية الاستيطان وضرورة احترام حقوق الشعب الفلسطيني، معتبراً أن استمرار تجاهل هذه القرارات يعكس أزمة متفاقمة في إنفاذ القانون الدولي.
ويخلص الرأي الاستشاري إلى أن أي تشريع أو إجراء يهدف إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، ويعرّض المسؤولين عنه للمساءلة الجنائية الدولية. كما يدعو الرأي المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والهيئات الحقوقية إلى اتخاذ مواقف أكثر فاعلية لمنع تنفيذ هذه السياسات، وحماية الأسرى الفلسطينيين وضمان احترام حقوقهم المكفولة بموجب الاتفاقيات الدولية.