رأي الموقع ـ خاص بوابة صيدا
شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً خطيراً في طبيعة الصراع المزمن بين الولايات المتحدة وإيران، حيث انتقلت المواجهة من حرب الظل والوكلاء التقليديين إلى استهداف مباشر ومتبادل للبنى التحتية الحيوية.
هذا النمط الجديد من التصعيد يضع الإقليم بأسره على حافة هاوية غير مسبوقة، إذ لم تعد المعركة محصورة في نقاط التماس العسكرية، بل امتدت لتشمل عصب الاقتصاد والطاقة والإمداد اللوجستي.
يقدم هذا التحليل قراءة واقعية ومعمقة للدوافع الاستراتيجية، طبيعة الردود، التوازنات الجيوسياسية المعقدة، والسيناريوهات المستقبلية لهذا الصراع المحتدم.
1- الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة: الردع تحت سقف "الحرب الشاملة"
تتحرك واشنطن في استهدافها للبنى التحتية الإيرانية وفق خطة مرسومة بدقة تتوخى تحقيق أقصى درجات الضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يريدها البيت الأبيض.
وتتلخص هذه الأهداف في:
* استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية: تركز الضربات الأمريكية على المنشآت الحيوية التي تشكل شريان الحياة المالي للنظام الإيراني، إلى جانب مراكز التصنيع العسكري (مثل مصانع الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية)، بهدف تقليص قدرة طهران على تمويل ودعم حلفائها في المنطقة.
* فرض معادلة ردع جديدة: تسعى واشنطن لإفهام طهران بأن تكلفة أي تحرك عدائي ضد المصالح الأمريكية أو خطوط الملاحة الدولية ستكون باهظة ومباشرة داخل العمق الإيراني.
* تجنب الحروب الشاملة: تحرص الولايات المتحدة (الأن) على تدمير "القدرات" دون استهداف "وجود النظام" أو التسبب في انهيار كامل قد يفرض غزوًا بريًا أو فوضى غير مسيطر عليها، مما يعني أن الاستراتيجية الأمريكية هي "عقابية تقييدية" وليست "تغييرية".
2- طبيعة الرد الإيراني: نقل الكلفة وتوزيع الرسائل الإقليمية
لم يقتصر الرد الإيراني على مصادر النيران الأمريكية، بل امتد جغرافياً ليطال بنى تحتية في دول الخليج، الأردن، والعراق. هذا السلوك ينطلق من عقيدة عسكرية إيرانية واضحة:
* استراتيجية "الأمن الجماعي أو لا أمن لأحد": تبعث طهران برسالة مفادها أنه إذا شُلَّ اقتصادها، فلن تنعم المنطقة بالاستقرار الاقتصادي، واستهداف منشآت الطاقة في الخليج أو الممرات الحيوية هو ضغط مباشر على الأسواق العالمية المترابطة.
* الضغط على الحلفاء للضغط على واشنطن: باستهداف دول مثل الأردن أو العراق أو العمق الخليجي، تحاول إيران إجبار هذه الحكومات على ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية على واشنطن لكبح جماح ضرباتها، خشية تضرر مصالحها الوطنية ومجالها الجوي والبري.
* تأكيد النفوذ الإقليمي: تهدف الضربات في العراق والأردن إلى إثبات أن طهران تمتلك ذراعاً طولى وقدرة على خرق أي منظومات دفاعية، مستغلةً التداخل الجغرافي والسياسي لفرض شروطها كلاعب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
3- الاعتبارات الجغرافية والسياسية: البراغماتية الأمريكية في ميزان التحالفات
يطرح عدم مراعاة واشنطن أحياناً للأضرار الجانبية أو الردود الانتقامية التي تواجهها دول المنطقة تساؤلات كبرى حول طبيعة التحالفات:
* تقديم الأمن القومي الأمريكي أولاً: في لحظات التصعيد الحرجة، تخضع السياسة الأمريكية لمنطق "الأولويات الصارمة"، حيث تحظى حماية الجنود الأمريكيين وهيبة الردع لبلادهم بالأولوية المطلقة على حساب الحسابات الأمنية للدول المضيفة أو الحليفة.
* اختبار مرونة الحلفاء: تنظر واشنطن إلى الدول الحليفة كشريكة في تحمل كلفة التصدي للنفوذ الإيراني، وتراهن على أن هذه الدول، رغم تضررها، لا تمتلك خيارات استراتيجية بديلة عن المظلة الأمنية الأمريكية، مما يدفع واشنطن للمخاطرة بأمن هذه الدول مؤقتاً لتمرير ضرباتها.
* التعقيد الجيوسياسي: التوازنات الدولية (مثل الدعم الروسي والصيني الضمني لإيران) تجعل واشنطن تستعجل حسم النقاط العسكرية على الأرض قبل تشكل جبهات دبلوماسية دولية تعيق حركتها، حتى لو كان ذلك على حساب إرباك الساحة السياسية في بغداد أو عمان ودول الخليج.
4- تداعيات التوتر على استقرار المنطقة: تصدع أمني واستقطاب حاد
إن استمرار حرب البنى التحتية يترك آثاراً عميقة وطويلة المدى على بنية الشرق الأوسط:
* تهديد شبكات الطاقة وسلاسل الإمداد: تحول المنشآت النفطية والمطارات والموانئ إلى أهداف مشروعة يرفع من تكلفة التأمين والشحن الدولي، ويهدد بشكل مباشر خطط التنمية الاقتصادية الشاملة في المنطقة.
* إضعاف سيادة الدول الهشة: تحول العراق والأجواء الإقليمية للدول المجاورة إلى ساحة تصفية حسابات مفتوحة يُضعف من هيبة الدول والحكومات المحلية ويزيد من الانقسامات الداخلية بين التيارات السياسية المختلفة تجاه المحورين المتصارعين.
* تجميد مسارات السلام والتعاون: هذا التوتر يقوض مشاريع الربط الاقتصادي والإقليمي، ويعيد المنطقة إلى مربع الاستقطاب الحاد (محور المقاومة مقابل المحور المدعوم أمريكياً)، مما يقضي على فرص بناء نظام أمني إقليمي مستدام.
5- تقييم احتمالات التصعيد أو التهدئة: السيناريوهات المحتملة
تتأرجح المنطقة بين مسارين أساسيين تحكمهما حسابات الربح والخسارة لكل من واشنطن وطهران:
* سيناريو التهدئة الحذرة (الأرجح): أن تتوصل الأطراف عبر قنوات خلفية (عبر وسائط دولية أو إقليمية) إلى "تفاهمات ضرورة" غير مكتوبة، تقضي بوقف استهداف العمق الإيراني مقابل لجم طهران ووقف استهداف البنى التحتية لدول الجوار والقواعد الأمريكية. فالطرفان يعلمان أن الحرب الشاملة ستكون مدمرة للجميع بلا استثناء.
* سيناريو التدحرج نحو المواجهة الكبرى: وهو سيناريو خطير قد ينجم عن "خطأ في الحسابات" مثل ضربة إيرانية تؤدي لخسائر بشرية هائلة في صفوف القوات الأمريكية، أو ضربة أمريكية تدمر منشأة استراتيجية لا يمكن لإيران التغاضي عنها، مما يفرض رداً شاملاً يشعل جبهات متعددة في وقت واحد.
في المحصلة: إن صراع البنى التحتية بين الولايات المتحدة وإيران يمثل مرحلة كسر العظم الحرج، فالأدوات التقليدية لإدارة الأزمات باتت تضيق، ومساحة الخطأ تتقلص. و يبقى مستقبل الاستقرار في الشرق الأوسط رهيناً بمدى قدرة الدبلوماسية الدولية والإقليمية على صياغة خطوط حمراء جديدة تحمي عصب الحياة الاقتصادي والمدني للمنطقة من أن يقع ضحية لصراع النفوذ والردع المتبادل.