بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم، الحادي والعشرين من نيسان عام 1800م، شهدت القاهرة واحدة من أحلك ساعاتها وأكثرها فخراً في آن واحد. فبعد صمود أسطوري دام لأكثر من شهر فيما عُرف بـ "ثورة القاهرة الثانية"، قرر الجنرال الفرنسي "كليبر" كسر إرادة المدينة التي استعصت على جيشه، ليس عبر المواجهة العسكرية الشريفة، بل من خلال سياسة "الأرض المحروقة".
كان حي بولاق هو قلب الثورة النابض، وعندما عجز جنرال الاحتلال عن اقتحام الحي، أمر بتوجيه فوهات المدافع نحو البيوت والمساجد والمخازن. في ساعات قليلة، تحول الحي العريق إلى كتلة من اللهب، والتهمت النيران أحياءً كاملة، ليسقط آلاف المدنيين ما بين قتيل وتحت الأنقاض.
لم يكن إحراق القاهرة مجرد عمل عسكري، بل كان محاولة لترهيب الشعب المصري وإخضاعه. فرض كليبر غرامات باهظة وصادر الأموال، ظاناً أنه أطفأ شعلة المقاومة. لكن التاريخ سجل أن النار التي أحرق بها القاهرة، كانت هي ذاتها التي أنضجت قرار الخلاص منه، ليلقى حتفه بعد أسابيع قليلة على يد الطالب السوري سليمان الحلبي.
بعد فشل اتفاقية العريش وعودة القوات الفرنسية للقاهرة، اشتعلت الثورة في 20 آذار / مارس 1800م (24 شوال 1214هـ) بقيادة السيد عمر مكرم والحاج مصطفى البشتيلي. تحولت أحياء القاهرة (خاصة حي بولاق والجمالية) إلى حصون للمقاومة، واستمرت الثورة لأكثر من 33 يوماً، مما أربك حسابات كليبر.
استطاع الثوار تطوير الثورة، وبدأوا بالسطو على معسكرات الفرنسيين أو المتعاونين معهم، ويستولوا على السلاح، كما استعملوا المدافع التي كانت مخبأة في بيوت بعض الأمراء الموالين للمحتل الفرنسي، واستعملوا بدل القذائف ما يتم وزن الأشياء به ويُستعمل في الميزان من عيار الكيلو وما فوق، وبثوا العيون والأرصاد للتجسس على المحتلين واستكشاف خططهم ونواياهم ولم يتوانوا عن أخذ كل من تعاون مع الفرنسين من الخونة بالشدة والعنف.
واشتبك الثوار مع الأقباط الموالين للفرنسيين في معارك عنيفة قتل فيها عدد من أقباط مصر وعدد من مسلمي مصر.
ولكن، مع وجود الخونة، يمكن إجهاض أي ثورة، فقد تواصل كليبر مع أحد البكوات في مصر، وتفاوض معه على الصلح، وأبرام معاهدة ليتعاونا معاً لإجهاض الثورة..
لم يكتفِ كليبر بقصف القاهرة، بل أمر جنوده بإشعال النيران في البيوت والقصور والمخازن. وتحولت القاهرة في 21 نيسان / أبريل 1800م (27 ذو القعدة 1214هـ) إلى كتلة من اللهب، حيث احترق حي بولاق بالكامل، ودمرت آلاف المنازل، وسقط آلاف القتلى تحت الأنقاض أو بسبب النيران.
فقد ذكر الجبرتي أن الفرنسين فعلوا بأهل بولاق "ما يشيب من هوله النواصي" فنزلوا بهم ذبحا وتقتيلا حتى صارت الطرقات والأزقة مكتظة بجثث القتلى، وأشعلوا النيران في الأبنية والدور والقصور، ونهبوا الخانات والوكائل والحواصل والودائع والبضائع، وملكوا الدور وما بها من الأمتعة والأموال والنساء والخوندات والصبيان والبنات ومخازن الغلال والسكر والكتان والقطن والأباريز والأرز والأدهان والأصناف العطرية، ومالا تسعه السطور، ولا يحيط به كتاب ولا منشور".
تحرك علماء الأزهر واستأنفوا مساعيهم لحقن الدماء، ووقف عمليات الإحراق والتدمير، ودارت مفاوضات التسليم بين الثوار وكليبر انتهت بعقد اتفاق في (27 ذو القعدة 1214/ 21 نيسان / أبريل 1800م)، يقضي بخروج العديد من المقاتلين المصريين إلى حدود الشام، وتسليم الأسلحة، مقابل أن يعفو كليبر عن سكان القاهرة بمن فيهم الذين اشتركوا في الثورة.
ولكن ما لبث أن تنكر كليبر للقاهريين بعد اخماد الثورة وكان اقتصاصه رهيبا، ففرض غرمات فادحه على العلماء والأعيان، وعلى الدور والممتلكات وأصحاب الحرف والتجار، وقضاة المحاكم وغيرهم.
لكن بعد أقل من شهرين من المجزرة، أغتيل كليبر في 21 محرم 1215هـ / 14 حزيران / يونيو 1800م بطعنة قاتلة من أحد طلبة الأزهر السوريين، وهو سليمان الحلبي، وأعدم الحلبي بعد تشيع رفات كليبر بثلاثه أيام.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..