• لبنان
  • الجمعة, نيسان 17, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 4:54:33 م
inner-page-banner
من صفحات التاريخ

"ليلة الشوكولاتة والرصاص": كيف اغتال الكوماندوز الإسرائيلي خليل الوزير "أبو جهاد"

بوابة صيدا ـ في ليلة هادئة من نيسان/ أبريل 1988 على شواطئ تونس العاصمة، خرج زوجان في نزهة تحت ضوء القمر. كانت الزوجة ترتدي فستاناً أنيقاً، وزوجها يحمل علبة شوكولاتة كبيرة، مشهداً عادياً لا يثير أي ريبة. لكن تلك العلبة لم تكن تحوي سوى الرصاص، وتلك "الزوجة" لم تكن سوى جندي نخبة إسرائيلي.

كان المشهد تمهيداً لواحدة من أشهر وأجرأ عمليات الاغتيال في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي: اغتيال خليل الوزير، "أبو جهاد"، الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية، والعقل المدبر للانتفاضة الأولى.

في غضون دقائق، تحول حي سكني هادئ في تونس إلى ساحة حرب، وتحولت علبة الشوكولاتة إلى سلاح. تسلل 26 من أخطر جنود العالم إلى منزل أبو جهاد، وأطلقوا عليه 70 رصاصة أمام عائلته. لم تكن مجرد عملية اغتيال عابرة، بل كانت رسالة مبطنة: إسرائيل قادرة على الوصول إلى أي مكان، وفي أي وقت، لتصفية من تراه خطراً عليها. لكن السؤال الذي ظل معلقاً لعقود: كيف تمت هذه العملية بدقة متناهية في قلب دولة عربية؟ ولماذا اعترفت إسرائيل بها بعد 24 عاماً فقط؟

هذه هي قصة "ليلة الشوكولاتة والرصاص" – تفاصيلها أشبه بفيلم تجسس، لكنها حقيقة دامية غيرت مسار الانتفاضة الفلسطينية وتركت جرحاً لم يندمل.

خليل إبراهيم محمود الوزير المعروف باسم أبو جهاد، سياسي فلسطيني مرموق و واحد من أهم قيادات حركة فتح وجناحها المسلح، إغتالته إسرائيل عام 1988 في تونس بالتزامن مع أحداث الإنتفاضة الفلسطينية الأولى.

ولد في 10 تشرين الأول / أكتوبر 1935م (13 رجب 1354هـ) في مدينة الرملة بفلسطين، وغادرها إلى غزة إثر حرب 1948 مع أفراد عائلته.

درس في جامعة الإسكندرية ثم انتقل إلى السعودية فأقام فيها أقل من سنة، وبعدها توجه إلى الكويت وظل بها حتى عام 1963. وهناك تعرف على ياسر عرفات وشارك معه في تأسيس حركة فتح.

في عام 1963 غادر الكويت إلى الجزائر حيث سمحت السلطات الجزائرية بافتتاح أول مكتب لحركة فتح وتولى مسؤولية ذلك المكتب. كما حصل خلال هذه المدة على إذن من السلطات بالسماح لكوادر الحركة بالاشتراك في دورات عسكرية وإقامة معسكر تدريب للفلسطينيين الموجودين في الجزائر.

وفي عام 1965 غادر الجزائر إلى دمشق حيث أقام مقر القيادة العسكرية وكلف بالعلاقات مع الخلايا الفدائية داخل فلسطين، كما شارك في حرب 1967 وقام بتوجيه عمليات عسكرية ضد الجيش الصهيوني في منطقة الجليل الأعلى. وتولى بعد ذلك المسؤولية عن القطاع الغربي في حركة فتح، وهو القطاع الذي كان يدير العمليات في الأراضي المحتلة. وخلال توليه قيادة هذا القطاع في الفترة من 1976 – 1982 عكف على تطوير القدرات القتالية لقوات الثورة كما كان له دور بارز في قيادة معركة الصمود في بيروت عام 1982 والتي استمرت 88 يوماً خلال الاجتياح الصهيوني للبنان.

تقلد العديد من المناصب خلال حياته، فقد كان أحد أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، وعضو المجلس العسكري الأعلى للثورة، وعضو المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، ونائب القائد العام لقوات الثورة. كما إنه يعتبر أحد مهندسي الانتفاضة الأولى وواحداً من أشد القادة المتحمسين لها.

اعتقدت الحكومة الإسرائيلية آنذاك، بقيادة إسحاق شامير، أن "أبو جهاد" هو المهندس الرئيسي للانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت في كانون الأول / ديسمبر 1987 . وكان الهدف من تصفيته هو محاولة قمع الانتفاضة وقطع رأس قيادتها، واتهمته دولة الاحتلال أنه كان متورطاً في التخطيط لعمليات ضد أهداف إسرائيلية، أبرزها عملية "طريق الساحل" عام 1978 التي قتل فيها 38 إسرائيلياً .

شعر العدو الصهيوني بخطورة الرجل لما يحمله من أفكار ولما قام به من عمليات جريئة ضدها فقررت التخلص منه.

الرواية الفلسطينية لعملية الاغتيال

في 16 نيسان / أبريل 1988 (29 شعبان 1408هـ) قام أفراد من الموساد يحملون بطاقات هوية لصيادين لبنانيين، بعملية الاغتيال، حيث ليلة الاغتيال تم إنزال 20 عنصراً مدرباً من الموساد من أربع سفن وغواصتين وزوارق مطاطية وطائرتين عموديتين للمساندة على شاطئ الرواد قرب ميناء قرطاج في تونس.

كان أبو جهاد قد وصل إلى المنزل في حدود الساعة الحادية عشرة مساء بتوقيت تونس، وتحدث مع عائلته وتوجه إلى مكتبه، وقالت زوجته أنها شعرت بحركة في مكتب زوجها، فتوجهت إلى هناك، وروت ما يبدو أنه شعوره بوجود أحد وحمله لمسدسه وتوجهه نحو الباب وطلبه منها أن تبتعد، ثم دخول شاب أشقر يلبس ما يشبه الكمامة، أطلق خليل الوزير رصاصة فأفرغ المقنع خزان رشاشه في جسد خليل الوزير، وتتالى دخول ثلاثة آخرين قامو أيضا بتفريغ دفعات من خزانات رشاشاتهم في جسده، كما دخلو غرفة نوم إبنه البالغ من العمر آنذاك السنتين والنصف ومنعوا أمه من التوجه نحوه وأطلقو النار في الغرفة، لكن الطفل لم يصب بأذى..

الرواية الإسرائيلية لعملية الاغتيال 

حسب اعترافات قائد الفريق المنفذ، ناحوم ليف، التي نُشرت لأول مرة في عام 2012 بعد مفاوضات مع الرقابة العسكرية الإسرائيلية:

بدأت العملية في مساء 15 أبريل/نيسان 1988م ( 28 شعبان 1408هـ)  عندما وصلت مجموعة من 26 فردا من نخبة قوات الكوماندوز "سيريت متكال" إلى شاطئ الرواد قادمين من البحر. وقد تدربوا لمدة أسبوع على اقتحام فيلا مشابهة في ضواحي تل أبيب. بعد النزول إلى الشاطئ، استقلوا سيارات مستأجرة مسبقاً من قبل عملاء وصلوا إلى تونس قبل أيام بتأشيرات سياحية .

انقسم الفريق إلى مجموعتين. اقتربت مجموعة الاغتيال المؤلفة من 7 - 8 أفراد من المنزل، بينما انتشرت المجموعة الأخرى (حوالي 20 فرداً) لتأمين المنطقة .

ارتدى أحد أفراد المجموعة ملابس امرأة، وتظاهر هو وقائد العملية "ناحوم ليف" بأنهما زوجان في نزهة ليلية. كان ليف يحمل علبة شوكولاتة كبيرة يخفي داخلها مسدساً مزوداً بكاتم للصوت.

أولاً، أطلق ليف النار على حارس نائم داخل سيارة متوقفة أمام المنزل. بعد هذا التحييد، انضمت المجموعة الثانية واستخدمت معدات لاقتحام باب الفيلا. تم قتل حارس ثانٍ من الداخل، وكذلك البستاني الذي استيقظ على صوت الاقتحام. علّق ليف على مقتل البستاني قائلاً: "كان ذلك مؤسفاً، لكن في عمليات مثل هذه، يجب تحييد أي مقاومة محتملة" .

صعد ليف وأحد أفراد المجموعة إلى الطابق العلوي. أطلق ذلك الفرد النار أولاً على أبو جهاد، ثم أطلق ليف وابلاً طويلاً من الرصاص، وقال إنه كان حريصاً على عدم إصابة زوجته التي ظهرت في الغرفة. وأكدت مصادر متعددة أن الجثة أصيبت بـ 70 رصاصة.

خلال العملية، حلقت طائرة بوينغ 707 تابعة للقوات الجوية الإسرائيلية قبالة الساحل التونسي. كانت مهمتها تشويش شبكات الاتصالات والرادار في المنطقة لمنع وصول أي قوات أمن تونسية إلى موقع الاغتيال. كان على متن الطائرة كل من رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك، دان شومرون، ونائبه إيهود باراك .

قدمت تونس شكوى رسمية عاجلة إلى مجلس الأمن واتهمت إسرائيل بانتهاك سيادتها وطالبت بعقد جلسة طارئة لإدانة ما وصفته بـ "الإرهاب الإسرائيلي" واستمرت جلسات المجلس ثلاثة أيام، حيث هددت الولايات المتحدة وبريطانيا باستخدام الفيتو ضد أي قرار يسمي إسرائيل بالاسم.

لسنوات، التزمت إسرائيل سياسة "الغموض" وعدم التأكيد أو النفي الرسمي. لكن في عام 2012، سمحت الرقابة العسكرية بنشر اعترافات قائد العملية (ناحوم ليف)، ليكون ذلك بمثابة اعتراف رسمي غير مسبوق بالمسؤولية .

دفن أبو جهاد الوزير في مخيم اليرموك في دمشف في 21 نيسان / أبريل 1988م (5 رمضان 1408هـ) وقاد ياسر عرفات موكب الجنازة.

 

ـــــــــــــ

إقرأ ايضاً

5 حزيران.. حرب الأيام الستة.. نكسة الجيوش العربية

المتطرفون اليهود في الجزائر يرتكبون مذبحة وحشية ضد المسلمين في مدينة قسنطينة بمساعدة الفرنسيين

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة