بوابة صيدا ـ في فجر التاسع من نيسان / ابريل عام 1948، لم تكن "دير ياسين" مجرد قريةٍ غافيةٍ على تلال القدس الغربية، بل كانت الضحية المختارة لتكون مسرحاً لأبشع عرضٍ دمويٍّ في التاريخ الحديث. هناك، حيث اختلطت دماء الأمهات بتراب الأرض، لم تكن الرصاصات تستهدف الأجساد فحسب، بل كانت "توقيعاً" إجرامياً أرادت به العصابات الصهيونية كتابة شهادة ميلاد كيانها على جثث الأبرياء، معلنةً أن عهد الترهيب قد بدأ.
لقد حوّلت مجزرة دير ياسين مجرى التاريخ؛ فصار الدم المسفوك هناك "مفتاحاً" قسرياً للجوء، دُفع به آلاف الفلسطينيين نحو دروب الشتات، وصولاً إلى أزقة مخيمات لبنان، وسوريا والأردن ليتحول الألم من ذكرى فاجعة إلى هويةِ صمودٍ تتوارثها الأجيال.
في هذا التقرير، نعيد قراءة سطور المذبحة التي أرادوا لها أن تكون نهاية الحكاية، فصارت الوقود الذي يشعل ذاكرة العودة في قلب كل لاجئ، حتى بعد ثمانية عقود من الزمان.
وقعت مجزرة دير ياسين يوم الجمعة 9 نيسان / أبريل 1948 (30 جمادى الأولى 1367هـ) على أيدي مجموعتيْ الأرغون الإرهابية التي كان يتزعمها الإرهابي مناحيم بيغن (الذي انتخب رئيسا لوزراء دولة الاحتلال 1977- 1983)، ومجموعة شتيرن الإرهابية التي كان يترأسها الإرهابي إسحق شامير (الذي انتخب رئيسا لوزراء دولة الاحتلال 1983 - 1992 بتقطع)، بدعم من قوات البالماخ.
وحدثت المجزرة بعد أسبوعين من توقيع اتفاقية سلام طالب بها رؤساء المستوطنات اليهودية ووافق عليها أهل دير ياسين.
بدأ الهجوم فجرا عندما اقتحمت قوات العصابتين الصهيونيتين القرية من جهتي الشرق والجنوب ليفاجئوا سكانها النائمين، لكنهم ووجهوا بمقاومة من أبناء القرية، مما دعاهم للاستعانة بعناصر البالماخ الذين أمطروا القرية بقذائف الهاون، وهو ما مهد الطريق لاقتحام القرية.
وتحكي المصادر التاريخية أن عناصر الأرغون وشتيرن كانت تفجر البيوت وتقتل أي شيء يتحرك، وأوقفوا العشرات من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب إلى الجدران وأطلقوا عليهم النيران.
اختلفت التقديرات حول عدد الشهداء، ولكن الموثق يتراوح بين 250 إلى 360 شهيداً، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
و وثّق مندوبو "الصليب الأحمر" (مثل جاك دي رينيه) حالات تقطيع أعضاء، وبقر بطون الحوامل، وإلقاء الأطفال في الآبار، واقتياد من تبقى من الأحياء في "مواكب نصر" مهينة في شوارع القدس قبل إعدامهم رمياً بالرصاص.
كانت دير ياسين جزءاً من "خطة صهيونية تهدف لإخلاء محيط القدس من القرى العربية لتأمين طريق الإمداد للمستوطنات".
و اعترف مناحيم بيغن في مذكراته لاحقاً: "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل، ولما نزح العرب من ديارهم"؛ حيث استُخدمت المجزرة لبث الرعب ودفع القرى الأخرى للفرار خوفاً من مصير مشابه.
كانت المجزرة السبب المباشر والأكبر في هجرة آلاف الفلسطينيين نحو الدول المجاورة لبنان والأردن وسوريا.
حاولت "الوكالة اليهودية" بقيادة بن غوريون التنصل من المجزرة رسمياً لإرضاء المجتمع الدولي، رغم أن الأدلة التاريخية أثبتت تنسيقهم مع "الأرغون" و"شتيرن".
وبعد نحو عام من ارتكاب المجزرة، أقامت قوات الاحتلال احتفالات بالقرية المنكوبة حضرها أعضاء الحكومة الصهيونية، وحاخامات اليهود، لتخليد سقوط دير ياسين في أيدي الاحتلال.
وفي سنة 1980، أعاد الاحتلال الصهيوني البناء فوق المباني الأصلية للقرية، وأطلق أسماء العصابات الصهيونية (الأرغون وإتسل والبالماخ والهاغاناه) على أماكن فيها.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) على يد وحدة من المخابرات الإسرائيلية (الموساد)
قوات الاحتلال الإسرائيلي تعبر الحدود اللبنانية.. وتعتدي على 6 قرى لبنانية (1974)
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..