بوابة صيدا ـ لم يكن مجرد فتحٍ لمدينة، بل كان زلزالاً طوى صفحة العصور الوسطى وأطلق قطار العصور الحديثة!
من خلف غبار المدافع العملاقة وعبقرية عسكرية لا تصدق، تهاوت أسوار القسطنطينية في مثل هذه الأيام عام 1453م لتصبح "إسطنبول" عاصمة الشرق الجديدة.
تعيد "بوابة صيدا" فتح كتاب التاريخ، لتروي لكم قصة الليلة المرعبة التي سارت فيها السفن العثمانية على رمال الجبال برّاً، وكيف غيّر السلطان الشاب محمد الثاني مسار التجارة العالمية وأجبر الغرب على اكتشاف قارات جديدة بفضل وعي وبأس جيشه!
لم يكن سقوط القسطنطينية (عاصمة الدولة البيزنطينية لـ 1125 سنة) حدثاً مفاجئاً، بل كان نتيجة لتضافر ثلاثة عوامل رئيسية كبّلت المدينة العتيقة:
كانت القسطنطينية تتمتع بموقع استراتيجي فريد يربط بين قارتي آسيا وأوروبا، ويتحكم في مضيق البوسفور وبحر مرمرة. لكن مع منتصف القرن الخامس عشر، تحول هذا الموقع إلى نقطة ضعف قاتلة، إذ نجح العثمانيون في قضم كل الأراضي المحيطة بالمدينة في البلقان والأناضول، فصارت القسطنطينية عبارة عن "جزيرة بيزنطية معزولة" وسط بحر واسع من النفوذ العثماني.
و كانت الإمبراطورية البيزنطية تعيش مرحلة الشيخوخة والضعف الاقتصادي، والإنقسام المذهبي الحاد بين الكنيستين الشرقية (الأرثوذكسية) والغربية (الكاثوليكية). ورغم محاولات الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر استنجاده بأوروبا والبابوية، إلا أن الدعم الغربي جاء خجولاً ومتأخراً بسبب انشغال الدول الأوروبية بصراعاتها الداخلية.
و واجهت المدينة الحصينة جيشاً عثمانياً فاق عدده 80 ألف مقاتل يتمتع بتنظيم صارم وقوة إنكشارية ضاربة. والأهم من ذلك، كان التفوق التكنولوجي العثماني في "سلاح المدفعية العملاقة" (مثل مدفع الشاهان الذي صنعه المهندس المجرّي أوربان) والذي نجح في دك الأسوار البيزنطية الشهيرة التي استعصت على الغزاة لقرون.
ولد السلطان محمد الثاني (الفاتح) عام 1432م، وتولى العرش في سن مبكرة (قرابة 22 عاماً). لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان شخصية موسوعية فذة.
أتقن عدة لغات (العربية، الفارسية، اللاتينية، اليونانية، والصِربية)، ودرس الفلسفة والتاريخ والفلك إلى جانب العلوم الشرعية والعسكرية، مما جعله حاكماً بعقلية استراتيجية منفتحة.
و تجلت عبقريته ميدانياً عندما عجز الأسطول العثماني عن دخول خليج "القرن الذهبي" بسبب السلسلة الحديدية الضخمة التي أغلق بها البيزنطيون مدخل الخليج.
فابتكر الفاتح خطة سينمائية مذهلة.
إليكم التفاصيل التفصيلية والخطوات المذهلة التي اتخذها السلطان الشاب محمد الفاتح لتنفيذ هذه الخطة في ليلة واحدة:
كانت القسطنطينية محمية بطبيعتها الجغرافية وبأسوارها من ثلاث جبهات، وكانت أضعف جبهاتها هي المطلة على خليج القرن الذهبي (شمال المدينة).
ولحماية هذه الجبهة، قام البيزنطيون بمد سلسلة حديدية ضخمة وعملاقة عبر مدخل الخليج (من أسوار المدينة إلى حي غلطة)، مدعومة بسفن حربية بيزنطية وصليبية قوية. فشلت كل محاولات الأسطول العثماني لقطع هذه السلسلة أو عبورها، وتكبد العثمانيون خسائر فادحة، مما رفع معنويات المحاصَرين داخل المدينة وأصاب بعض قادة الجيش العثماني بالإحباط.
بدأ حصار المدينة في يوم الجُمعة 26 ربيع الأوَّل 857هـ / 5 نيسان ـ أبريل 1453م، و أدرك محمد الفاتح أن مفتاح النصر هو دخول "القرن الذهبي" لإجبار البيزنطيين على تشتيت قواتهم والدفاع عن جبهة جديدة ممتدة. وبما أن العبور من البحر مستحيل، قرر الفاتح القيام بـ "المستحيل عينه": نقل السفن عبر البر التابع لحي "غلطة" (والذي كان تحت سيطرة الجنويين المحايدين تكتيكياً).
خط السير البري المرسوم كان يمتد من منطقة "بشكطاش" على مضيق البوسفور، صعوداً عبر تلال وروابي "تلة توفانة" و "تقسيم" الوعرة، نزولاً إلى منطقة "قاسم باشا" على شواطئ القرن الذهبي. مسافة تقارب 3 إلى 5 كيلومترات من الأراضي الجبلية والغابات غير الممهدة.
لم تكن العملية عشوائية، بل خضعت للتخطيط والتمهيد تحت غطاء السرية التامة.
أمر الفاتح آلاف المهندسين والعمال بتسوية الأرض البرية، وقطع الأشجار، وإزالة الصخور لفتح ممر واسع عبر الروابي.
تم رصف الطريق بألواح خشبية متينة، وسُكبت عليها كميات هائلة من "شحوم الحيوانات، الزيوت، والشموع المذابة" لجعل الخشب لزجاً وشديد الانزلاق، مما يقلل الاحتكاك إلى حده الأدنى.
وُضعت السفن فوق قواعِد وخناقير خشبية عملاقة تشبه "الزحافات"، ورُبطت بحبال متينة تمهيداً لجرها.
و لتشتيت انتباه البيزنطيين، أمر الفاتح مدفعيته بمواصلة دك أسوار المدينة من الجهة البرية بعنف طوال الليل، وإشعال النيران لإحداث جلبة تمنع العدو من سماع ما يحدث خلف التلال.
وشارك آلاف الجنود والإنكشارية، مستعينين بثيران قوية، في سحب الحبال وجر السفن صعوداً ونزولاً عبر المرتفعات.
في مشهد سينمائي تاريخي، نُقلت السفن وهي بكامل عتادها العسكري؛ حيث رُفعت أشرعتها على اليابسة لتستغل الرياح، ووقف المجدفون على مقاعدهم يحركون المجاديف في الهواء مع ضرب الطبول وأناشيد الحماسة، لتسهيل دفع السفن وإعطاء حافز نفسي للجنود.
نجح العثمانيون في نقل ما بين 70 إلى 80 سفينة حربية (من مختلف الأحجام) خلال ليلة واحدة فقط.
مع خيوط الفجر الأولى ليوم 22 نيسان / أبريل 1453م (4 ربيع الثاني 857هـ) استيقظ سكان القسطنطينية وجنودها على دوي طبول الحرب العثمانية تصدح من داخل "القرن الذهبي"، ليروا الأسطول العثماني كاملاً يرسو خلف خطوط دفاعهم وخلف السلسلة الحديدية التي لم تُقطع!
يصف المؤرخ البيزنطي "دوكاس" الصدمة قائلاً ما معناه: "رأينا مالم نره من قبل، ولم نسمع به في السلف.. سفناً تبحر فوق الأرض كأنها فوق الماء".
اضطر الإمبراطور قسطنطين إلى سحب جزء كبير من جنوده النخبة من الأسوار البرية الغربية ليرسلهم لحماية الأسوار البحرية الشمالية الممتدة على طول القرن الذهبي.
تسبب الحدث بانهيار نفسي كامل داخل المدينة؛ حيث شعر البيزنطيون أنهم يواجهون قائداً وجيشاً يتحديان قوانين الطبيعة.
مكنت هذه الخطوة محمد الفاتح لاحقاً من ربط قواته ببعضها عبر بناء جسر عائم فوق الخليج وضعت عليه المدافع، مما سرّع في عملية الاقتحام النهائي في سقوط المدينة يوم الثُلاثاء 21 جمادى الأولى سنة 857هـ / 29 أيَّار ـ مايو 1453م.
بمجرد دخوله المدينة، اتخذ محمد الثاني خطوات سريعة لتحويلها من معقل بيزنطي منهار إلى منارة إسلامية وعالمية، فحوّل اسمها إلى "إسلامبول" (أو الآستانة/إسطنبول) وأعلنها رسمياً العاصمة الجديدة للإمبراطورية العثمانية بدلاً من أدرنة.
و توجه فوراً إلى كنيسة "آيا صوفيا" وأمر بتحويلها إلى مسجد، ولكنه في المقابل أبدى تسامحاً كبيراً؛ حيث أمّن المسيحيين على أرواحهم، وأبقى على البطريركية الأرثوذكسية، ودعا سكان المدينة الذين فروا للعودة، وجلب صناعاً وتجاراً من مختلف العرقيات والأديان لإعادة الانتعاش الاقتصادي للمدينة.
شكَّل هذا الحدث (إضافةً إلى فتح منطقتين روميَّتين أُخريين لاحقًا) نهاية الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، وإلى حدٍ أبعد الإمبراطوريَّة الرومانيَّة التي استمرَّت موجودةً بهيئةٍ روميَّة شرقيَّة، طيلة 1500 سنة تقريبًا.
كذلك شكَّل الفتح العُثماني للقسطنطينيَّة ضربةً موجعةً للعالم المسيحي والبابويَّة الكاثوليكيَّة رُغم الاختلاف والخِلاف المذهبي والعقائدي بين الكنيستين الشرقيَّة الأرثوذكسيَّة والغربيَّة الكاثوليكيَّة، ذلك أنَّ المدينة كانت تُشكِّلُ عائقًا وحاجزًا أمام التوغل الإسلامي في أوروپَّا، ولمَّا سقطت أصبح بإمكان العُثمانيين المضي قُدمًا في فتوحاتهم دون التخوُّف من ضربةٍ خلفيَّة تُثنيهم عن أهدافهم.
كان فتحُ القسطنطينيَّة حدثًا مُهمًّا على الصعيد الإسلامي فقد تحققت نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم بفتح المدينة.. عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ".
لقد حاول المُسلمون طيلة ثمانية قرون تحقيق البشارة النبوية بفتح القسطنطينية ففشلوا في كُلِّ مرَّة نظرًا لموقع المدينة الحصين وأسوارها السميكة وبسالة المُدافعين عنها. وقد بلغ عددُ المرَّات التي حوصرت فيها المدينة من قِبل المُسلمين 11 مرَّة قبل هذه الأخيرة.
كان لفتح القسطنطينية ارتدادات جيوسياسية واجتماعية غيرت مجرى الكوكب:
يعتبر معظم المؤرخين الغربيين أن عام 1453 م هو نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة.
بعد سيطرة العثمانيين على القسطنطينية ومضائقها، أصبحت طرق التجارة البرية والبحرية بين أوروبا وآسيا (طريق الحرير والتوابل) تحت الهيمنة الإسلامية كاملة. هذا الأمر أجبر الدول الأوروبية (مثل إسبانيا والبرتغال) على البحث عن طرق بحرية بديلة، مما أدى لاحقاً إلى اكتشاف رأس الرجاء الصالح واكتشاف أمريكا.
وكان فتح المدينة شرارة النهضة الأوروبية، فقد فرَّ الكثير من العلماء والفلاسفة والمفكرين اليونان من القسطنطينية قبل سقوطها وخلاله، وتوجهوا إلى إيطاليا وأوروبا الغربية، حاملين معهم المخطوطات والعلوم الإغريقية القديمة، مما ساهم بشكل مباشر في إشعال شرارة عصر النهضة الأوروبية.
ـــــــــــــ
إقرأ أيضاً