بوابة صيدا
بعد خروجها من بيروت في عام 1982م تحت وطأة القصف الإسرائيلي والحصار الدولي، ظنّ كثيرون أن منظمة التحرير الفلسطينية قد استنفدت رصيدها من المعاقل في لبنان. لكنّ ياسر عرفات، برمزيّته الكاريزمية وقدرته على إعادة التشكّل، نجح في تحويل مدينة طرابلس شمالاً إلى ملاذ أخير وقلعة أخيرة للكفاح المسلح. لم تكن هذه مجرد انتقالة جغرافية، بل كانت محاولة يائسة للحفاظ على وجود عسكري وسياسي في أقرب نقطة إلى فلسطين.
غير أن هذا المعقل الشمالي لم يكن ليُترك بسلام. فسرعان ما أُحكم عليه طوقٌ من الحديد والنار، ليس من العدو التقليدي وحده، بل من أبناء الجسد الفلسطيني والأشقاء العرب أيضاً. في مشهد دراماتيكي مرير، تحوّلت "حرب الشمال" من صراع على الأرض إلى معركة وجود، حيث وجد عرفات نفسه محاصَراً بين مطرقة القوات السورية وسندان الفصائل المنشقة عنه.
تبحث هذه الأسطر في تفاصيل هذا الحصار المحكم، وتسعى للإجابة عن السؤال المحوري: كيف سقط آخر معقل لياسر عرفات في لبنان، ليس بقوة الخارج فقط، بل بشرارة الانقسام من الداخل؟
بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت في صيف 1982 بوساطة دولية، انتقل ياسر عرفات وقواته إلى طرابلس شمال لبنان، التي كانت آخر معقل رئيسي للمنظمة في لبنان.
اندلع صراع داخل منظمة التحرير بين مؤيدي ياسر عرفات (تيار "فتح") وبين فصائل معارضة مدعومة من سوريا (بقيادة أبو موسى، مما عرف بـ "انشقاق حركة فتح").
حاول عرفات التفاوض مع حافظ الأسد لكنه فشل في تخفيف التوترات. وحاول عرفات أن يوحد من تبقى من الموالين له وأن يحشد بعض الدعم المحلي والدولي، فانضمت حركة التوحيد الإسلامي للقتال إلى جانب منظمة التحرير الفلسطينية..
أثار تحالف عرفات مع حركة التوحيد انتقاد المنظمات الفلسطينية المؤيدة للنظام السوري، باعتبار أن حركة التوحيد الإسلامي «متعصبة ورجعية». واستطاعت حركة التوحيد الإسلامي بقيادة الشيخ سعيد شعبان مع منظمة التحرير الفلسطينية من تطهير مدينة طرابلس من جميع الحركات والمنظمات الموالية لسوريا.
اجتمع قادة الفصائل الفلسطينية المناهضة لمنظمة التحرير الفلسطينية في دمشق للتخطيط لشن هجوم نهائي على منظمة التحرير الفلسطينية في طرابلس. وانضمت الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية إلى المناوئين للمنظمة، و قام حافظ الأسد بتعبئة حوالي 5000 مقاتل فلسطيني ولواءين من القوات الخاصة لدعم العملية.
في أوائل تشرين الثاني / نوفمبر 1983م، بدأت فصائل فلسطينية معادية لمنظمة التحرير وجنوداً سوريون، بدعم من قوات ليبية في شن هجمات على مواقع منظمة التحرير الفلسطينية في ضواحي طرابلس، وعلى الأخص في البداوي ونهر البارد. واستخدمت في المعركة الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك المدفعية.
استولى المؤيدون لدمشق على نهر البارد في 6 تشرين الثاني / نوفمبر 1983م (2 صفر 1404هـ) و توقفت المعارك في 9 تشرين الثاني / نوفمبر (5 صفر 1404هـ) بعد التوصل إلى اتفاق لوقف القتال، إلا أنه لم يصمد كثيراً، حيث خرقته القوات الموالية للنظام السوري، فاشتعلت الجبهة مجدداً..
في 16 تشرين الثاني / نوفمبر (12 صفر 1404هـ) استطاعت القوات المناهضة لمنظمة التحرير من بسط سيطرتها على مخيمي طرابلس "البداوي والبارد" باستثناء بعض الجيوب التي قاومت..
ثم قامت القوات المسلحة السورية بمحاصرة مدينة طرابلس، وقامت الطائرات السورية بقصفها، كما استهدفت المدينة بالمدفعية، انتقاماً من مساندة حركة التوحيد لمنظمة التحرير، مما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، وتشريد عدد كبير من السكان، و تدمير ميناء طرابلس ومصفاة النفط وأجزاء من السوق المركزية.
في 18 تشرين الثاني / نوفمبر (14 صفر 1404هـ) بدأ عناصر منظمة التحرير هجوما مضاداً في البداوي واستمر الهجوم ثلاثة أيام، ولكنه لم يحقق سوى نتائج ملموسة قليلة.
في 22 تشرين الثاني / نوفمبر (18 صفر 1404هـ) أحرز المناهضون لمنظمة التحرير وحركة الجهاد تقدما كبيرا على أطراف طرابلس على الرغم من المقاومة الشرسة، واستطاعوا السيطرة على مفترق "ملولة" عند المدخل الشمالي للمدينة، وقطعوا جميع الطرق المؤدية إلى منطقة جبل محسن وإلى البداوي. ونتيجة لذلك، قُطعت المساعدات عن آخر الموالين لعرفات في المخيم.
بعد حصار طرابلس، تدخلت المليشيات العلوية المؤيدة للنظام السوري، وهاجموا عناصر منظمة التحرير وحركة التوحيد الإسلامي.. التي أصرت على القتال ضد قوات النظام السوري والمنظمات الموالية له..
في 26 تشرين الثاني / نوفمبر (22 صفر 1404هـ) بدأت المفاوضات من جديد، و أعلن عرفات أن أي انسحاب لقواته مشروط بانسحاب المقاتلين المدعومين من سوريا من طرابلس، وترك حلفائه، بما في ذلك حركة التوحيد وشأنهم.
وافق ياسر عرفات على وقف إطلاق النار وعلى مغادرة طرابلس و إجلاء قواته منها في نهاية شهر تشرين الثاني / نوفمبر بعد الحصول على وعود من الولايات المتحدة والدول العربية بعدم مهاجمة قواته في تراجعها، و وافق على ترك أسلحة منظمة التحرير الثقيلة، بما في ذلك قاذفات صواريخ كاتيوشا المتعددة، والتقنيات، والبنادق عديمة الارتداد، والمدافع المضادة للطائرات التي سلمت إلى الجيش اللبناني.
إلا أن تنفيذ إجلاء القوات الفلسطينية تأجل، بعدما قامت بحرية دولة الاحتلال الصهيوني بقصف مدينة طرابلس..
في 20 كانون الأول / ديسمبر 1983م (16 ربيع الأول 1404هـ)، قامت خمس سفن يونانية بإجلاء نحو 4700 من الموالين لمنظمة التحرير الفلسطينية، من بينهم عشرات الجرحى، تحت حماية سفن تابعة للبحرية الفرنسية، بما في ذلك حاملة الطائرات كليمنصو.
تم نقل الموالين لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى الجزائر واليمن الشمالي وتونس والسودان. ونزل نحو 500 شخص في قبرص ثم نقلوا جوا إلى العراق. وهكذا نجحت سوريا والفصائل المناهضة لمنظمة التحرير الفلسطينية في طرد الموالين لعرفات من كل لبنان.
ومع ذلك، ظلت حركة التوحيد الإسلامي متحصنة في طرابلس، وسيطرت على الميناء الذي كانت تسيطر عليه منظمة التحرير الفلسطينية سابقا.
قُتل في هذه الاشتباكات 500 شخص وجُرح 1500 شخص، معظمهم من المدنيين، وتم تهجير أكثر من نصف سكان طرابلس.
(المصدر: بوابة صيدا + مواقع التواصل + مواقع اخبارية)
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
قاضي صيدا ومشايخها يطلبون الأمان من الصليبيين
اغتيال أمين عام حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون وزوجته وطفليهما في منزلهم