• لبنان
  • الخميس, نيسان 02, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 5:22:15 ص
inner-page-banner
من صفحات التاريخ

ساحة "جوار جرا".. شاهدة على ميلاد جمهورية الـ 11 شهراً (مهاباد) وإعدام رئيسها..

بوابة صيدا ـ يقولون إنَّ لبعض الأحلامِ عُمراً قصيراً، لكنَّ أثرها يبقى ممتداً كالجبال. في شتاء عام 1946، وتحديداً في ساحة 'جوار جرا' بمدينة مهاباد، وقف القاضي محمد ليعلن ميلاد جمهورية لم تكن مجرد كيان سياسي، بل كانت صرخةَ هويةٍ حُبست في صدور الملايين لعقود. بـ 11 شهراً فقط، استطاعت "مهاباد" أن ترسم ملامح دولة، بعلمٍ ونشيد وجيشٍ ولغة، متكئةً على وعودٍ دولية سرعان ما خذلتها رياح المصالح النفطية بين الشرق والغرب.

لكنَّ الحكاية التي بدأت بهتافات الحرية في تلك الساحة، انتهت بصمتٍ رهيب في الساحة ذاتها؛ حيث تحولت منصة الإعلان إلى مشنقةٍ للإعدام، وصعد الزعيمُ الذي رفض الهروب درجاتها بوقارِ مَن يعلم أنَّ جسده سيفنى، لكنَّ حلمه سيتحول إلى أسطورةٍ عابرة للحدود.

فكيف تحولت مهاباد من معجزة سياسية إلى ضحيةٍ على مذبح صراعات القوى العظمى؟

وكيف استطاع رجلٌ واحد أن يفتدي مدينته برأسه ليمنح قضية شعبه حياةً أبدية؟"

بينما تضج أخبار اليوم بصراعات الممرات والتحالفات الدولية في عام 2026، نعود بكم إلى ذاكرة عام 1946 لنقرأ كيف تُكتب نهايات الدول عندما تتغير موازين المصالح:

جمهورية مهاباد أو جمهورية كردستان، دولة كردية سابقة تأسست في 22 كانون الثاني/ يناير 1946 (19 صفر 1365هـ) بقيادة الزعيم الكردي قاضي محمد في مدينة مهاباد، شملت مدن بوكان ونقدة وبيرانشهر وأشنوية ولم تدم أكثر من 11 شهراً.

كانت المدن الثلاث أرومية وخوي وسلماس بمثابة مناطق متنازع عليها بين جمهورية كردستان وجمهورية أذربيجان الشعبية.

غزا الحلفاء إيران في الحرب العالمية الثانية أواخر آب / أغسطس 1941 حينها سيطر السوفييت على الشمال، ومع غياب الحكومة المركزية تولت لجنة من الطبقة المتوسطة يدعمها زعماء القبائل الإدارة المحلية في مدينة مهاباد الكردية.

شُكل حزب سياسي تحت مسمى جمعية إحياء كردستان، حيث انتُخب قاضي محمد رئيسًا للحزب، وعلى الرغم من أن الجمهورية لم تُعلن حتى كانون أول / ديسمبر 1945 إلا أن لجنة قاضي أدارت المنطقة لأكثر من خمس سنوات حتى سقوط الجمهورية.

مع سيطرة الحزب الديمقراطي الأذربيجاني على محافظة أذربيجان الشرقية من قوات الحكومة الإيرانية وتشكيل جمهورية أذربيجان الشعبية، أسس الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الحكومة الكردية الشعبية في مهاباد في 15 كانون الأول / ديسمبر 1945م (11 محرم 1366هـ)، وفي 22 يناير 1946م (19 صفر 1365 هـ) أعلن قاضي محمد تشكيل جمهورية مهاباد.

تم تشكيل جيش وطني كردي، وكان الجنرال مصطفى البارزاني (القادم من العراق) هو قائد القوات العسكرية فيها.

وأُعلنت الكردية لغة رسمية، وصدرت فيها صحف ومجلات، وأسست إذاعة خاصة، مما أعطى دفعة قوية للهوية الثقافية الكردية.

و تم رفع العلم الكردي (الذي يشبه إلى حد كبير العلم الحالي لإقليم كردستان العراق).

في 26 آذار / مارس 1946 (4 جمادى الأولى 1366هـ) وعد السوفييت الحكومة الإيرانية بانسحابهم من شمال غرب إيران بسبب ضغوط القوى الغربية بمن فيهم الولايات المتحدة ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

في حزيران / يونيو 1946م، أعادت إيران سيطرتها على أذربيجان الإيرانية حيث عزلت هذه الخطوة جمهورية مهاباد. تضاءلت محاصيل وإمدادات القبائل التي دعمت قاضي محمد نتيجة للعزلة، كما اختفت المساعدات الاقتصادية والمساعدات العسكرية من الاتحاد السوفيتي مما أدى إلى أفلاس مهاباد اقتصاديًا.

في 5 كانون الأول / ديسمبر 1946م (12 محرم 1366هـ) أخبر مجلس الحرب قاضي محمد أنهم سيقاتلون ويقاومون الجيش الإيراني إذا حاولوا دخول المنطقة ولكن عدم وجود دعم قبلي كردي جعل قاضي محمد يرى فقط مذبحة على المدنيين الكرد يقوم بها الجيش الإيراني، أجبره ذلك على تجنب الحرب بأي ثمن.

و عُرض عليه الهروب مع المقاتلين البارزانيين نحو الحدود، لكنه رفض بكلمات خلّدها التاريخ: "لقد أعطيتُ عهداً لشعبي بأن أعيش معهم وأموت معهم.. لن أترك مهاباد ليدفع الأبرياء ثمن هربي". لقد اختار أن يكون "كبش الفداء" ليجنب مدينته حمام دم كان يخطط له الجيش الإيراني المنتقم.

بعد عشرة أيام وتحديدًا في 15 كانون الأول / ديسمبر 1946، (22 محرم 1366هـ) دخلت القوات الإيرانية مهاباد وبمجرد وصولهم إلى هناك، أغلقوا المطبعة الكردية وحظروا تدريس اللغة الكردية وأحرقوا جميع الكتب الكردية بما فيها المدرسية. 

وسط طوق عسكري مشدد، اقتيد القاضي محمد، الرجل ذو الملامح الوقورة والعمامة السوداء، نحو المشنقة التي نصبتها سلطات الشاه الإيراني. لم تكن خُطاه ترتجف، ولم يطلب الرحمة من جلاديه، بل كان يحمل كبرياءً هادئاً أربك العساكر المحيطين به.

عندما سأله الضابط الإيراني عن أمنيته الأخيرة، لم يطلب طعاماً ولا ماءً، بل طلب أن يُسمح له بأداء ركعتين لله. وبعد الصلاة، وقف شامخاً أمام حبل المشنقة، ووجه رسالة هزت وجدان كل من حضر، كانت بمثابة "البيان الأخير": "يا شعبي الكردي.. لا تضعوا السلاح، ولا تثقوا بوعود المستعمرين. متوتوا من أجل حريتكم، و حافظوا على وحدتكم".

في 31 آذار / مارس 1947م (9 جمادى الأولى 1366هـ) عند الساعة الثالثة فجراً، ارتقت روح القاضي محمد إلى بارئها، ليدخل التاريخ من بابه العريض.

لم تنتهِ "مهاباد" بموته، بل تحولت من "جمهورية عابرة" إلى "أسطورة ملهمة" استقرت في وجدان ملايين الكرد حول العالم، وأصبح اسم "القاضي محمد" رمزاً للسياسي الذي يسبق قوله فعله، والذي يفتدي شعبه بروحه.

undefined

"لم تكن نهاية القاضي محمد في ساحة "جوار جرا" مجرد مشهد إعدامٍ لزعيم سياسي، بل كانت درساً أبدياً في معنى "الأمانة". ففي عالمٍ يغصُّ بالقادة الذين يفرّون عند أول بادرة خطر، اختار القاضي أن يواجه المشنقة بوقار، مفدياً مدينته وشعبه بروحه، ليثبت أنَّ الزعامة ليست كرسياً يُحتل، بل هي عهدٌ يُقطع ومبدأٌ يُفتدى. ومع انطفاء أنوار جمهورية مهاباد بعد 11 شهراً فقط، بقي وهج موقف رئيسها ملهماً للأجيال؛ ليذكرنا دائماً بأنَّ الدول قد تسقط، والحدود قد تتغير، لكنَّ القائد الذي يصدق شعبه الوعد، يمنحه التاريخُ عمراً أطول من عمر الغزاة، وحياةً أسمى من حياة الجلادين."

في زمن الصراعات الكبرى التي نشهدها اليوم في 2026، هل تعتقد أن "الوفاء للمبادئ" لا يزال هو العملة الأغلى لدى الشعوب؟

 

ــــــــــــــ

إقرأ ايضاً:
لورانس العرب الذي خدع العرب لسنوات طويلة
سليمان الحلبي يغتال الجنرال كليبر

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة