بوابة صيدا ـ في مثل هذا اليوم 13 حزيران 1978م (8 رجب 1398هـ) استيقظت "إهدن" على فجرٍ غارق في الدم والضباب، لتكتب الصفحة الأكثر قساوة في كتاب الصراع الداخلي.
من خلف متاريس صراع النفوذ والخيارات الاستراتيجية، اقتحمت مجاميع "القوات اللبنانية" قصر "طوني فرنجية" نجل الرئيس اللبناني "سليمان فرنجية"، لتنتهي المعركة المباغتة بتصفية مروعة شملت الزوجة والطفلة وثلاثين من الأنصار في ليلة غيرت خارطة الحرب الأهلية.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم تفكيك الصندوق الأسود لـ "مجزرة إهدن" لنكشف لكم كواليس ليلة إصابة سمير جعجع وصعود إيلي حبيقة، وكيف تحول رماد ذلك القصر إلى تحالف فولاذي مع دمشق، وشرخٍ تاريخي لم تداوِهِ الأيام إلا بمصالحة بكركي الشهيرة!
وقعت المجزرة في مرحلة مبكرة نسبيًا من الحرب الأهلية (بعد انتهاء ما عُرف بحرب السنتين 1975 - 1976). في ذلك الوقت، تأسست "الجبهة اللبنانية" لتضم الأقطاب المسيحيين الأساسيين (حزب الكتائب بقيادة بيار الجميّل، حزب الوطنيين الأحرار بقيادة كميل شمعون، وتيار المردة بقيادة رئيس الجمهورية السابق سليمان فرنجية). إلا أن هذا التحالف انهار سريعاً.
بدأ الخلاف يحتدم بين الرئيس سليمان فرنجية (الذي كان حليفاً وثيقاً وصديقاً شخصياً للرئيس السوري حافظ الأسد ويؤيد دخول قوات الردع العربية/الجيش السوري إلى لبنان لضبط الأمن) وبين حزبي الكتائب والأحرار الذين بدأوا بالانقلاب على الوجود السوري والتوجه نحو بناء تحالفات سرية مع إسرائيل. أدى هذا الخلاف إلى انسحاب فرنجية من "الجبهة اللبنانية" وقطع علاقاته بأقطابها.
سعى حزب الكتائب اللبنانية (وتحديداً الجناح العسكري الناشئ بقيادة بشير الجميّل) إلى توسيع نفوذه العسكري والسياسي خارج جبل لبنان والوصول إلى معاقل المسيحيين في الشمال اللبناني (زغرتا وبشري والكورة).
رأت عائلة فرنجية و"جيش التحرير الزغرتاوي" (الذراع العسكري للمردة) في هذا التمدد تهديداً مباشراً لخصوصية الشمال ونفوذهم التقليدي، واندلعت اشتباكات موضعية واغتيالات متبادلة، كان أبرزها مقتل مسؤول الكتائب في الشمال "جود البايع" قبل أيام من المجزرة.
قاد بشير الجميّل مشروعاً عسكرياً راديكالياً لدمج كافة الميليشيات المسيحية بالقوة تحت لواء واحد وهو "القوات اللبنانية"، معتبراً أن تعدد الرؤوس والميليشيات يضعف الموقف المسيحي في الحرب، وكان تيار المردة العقبة الأقوى أمام هذا المشروع.
صدر القرار من قيادة الكتائب (بإشراف بشير الجميّل) بتنفيذ عملية عسكرية خاطفة في قضاء زغرتا لاعتقال قتلة جود البايع وفرض هيبة القوات اللبنانية.
شُكلت فرقة عسكرية تابعة لـ"القوات اللبنانية" (الكتائبية آنذاك) قوامها قرابة 200 إلى 300 مقاتل، ووُضعت القوة تحت قيادة ميدانية مشتركة لكل من "سمير جعجع" (المسؤول العسكري للكتائب في الشمال حينها) و "إيلي حبيقة" (رئيس جهاز الأمن والاستخبارات في القوات لاحقاً).
يُقال ان بشير الجميل قال لطوني فرنجية قبل أسبوع من وقوع المجزرة عندما اجتمعا في بكركي: "عليك ان تمشي مع إسرائيل"، فأجابه طوني: "أنت حرّ في ان تتبع إسرائيل ولكن لا يمكنك ان تفرض عليّ شيئاً، فأنا خياري هو السوري... اليوم هناك خياران: إما السوري وإما الإسرائيلي، أنت اخترت السير مع إسرائيل وأنا اخترت سوريا. ردّ بشير: "لكنك ستقتل". أجابه طوني: "وإن يكن".
كما يُقال ان الرئيس الياس سركيس عندما لوّح بالاستقالة امتعاضاً مما يجري في لبنان، قال له الرئيس السوري حافظ الأسد ان البديل عنه موجود، في إشارة الى طوني فرنجية، فما كان من بشير إلا ان قرر قتله لأنه كان طامعاً بالوصول الى الرئاسة وتنفيذ المخطط الإسرائيلي، وهذا ما حصل عام 1982م بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان. هذا حسب ما ذكره الكاتب الفرنسي ريشار لابيفيير في كتابه (مجزرة إهدن) .
في الساعة الرابعة من فجر يوم الثلاثاء 13 حزيران 1978م (8 رجب 1398هـ) استغلت عناصر القوات اللبنانية هدوء بلدة إهدن الجبلية (المقر الصيفي لآل فرنجية) وتسللت تحت جنح الظلام وضباب الصباح الكثيف، وحاصرت قصر "طوني فرنجية" (نجل الرئيس سليمان فرنجية وقائد جيش التحرير الزغرتاوي).
في الخارج، من مكان قريب جداً، سُمع صوت سمير جعجع يصرخ: "طوني فرنجية، نحن الكتائب. أنت مطوّق وستخرج ميتاً أو حياً".
وأطلقت القوات اللبنانية قذيفة سقطت على طرف الباب الرئيسي للدار، وشبّت النار في الباب وفي السقف، وتطاير الزجاج وراء الشبابيك الخارجية، فامتشق طوني فرنجية سلاحه، وهرعت زوجته فيرا إلى الغرفة الملاصقة، غرفة ابنتهما الصغيرة جيهان.
من الباب الرئيسي المحطّم، أطلق طوني النار باتجاه الصوت. جاء الردّ عليه برشقات من أسلحة أوتوماتيكية انهمرت على الواجهة طيلة عدّة دقائق. اندلعت اشتباكات ضارية بعنف بين القوة المهاجمة وحراس القصر والموالين لآل فرنجية في البلدة. في الدقائق الأولى للمواجهة، أُصيب قائد القوة سمير جعجع برصاصة، الأمر الذي أصاب رفاقه بالجنون.
ازداد رجال سمير جعجع شراسة بعد جُرح قائدُهم، فكثّفوا من إطلاق النار، وانفصلت مجموعة صغيرة عن الرجال الثلاثين الذين طوقوا الدار واتجهت نحو فندق بلمون بغية الانتقال إلى ما وراء واجهة القصر ومهاجمة طوني من الخلف. لكن هذا الأخير استبق المناورة، فقفز إلى المطبخ الذي يستطيع من داخله أن يطلق النار في الاتجاهين: صوب الباب الرئيس وصوب نافذة المطبخ كي يحمي ظهره.
وهكذا، حين أكملت المجموعة التفافها استُقبلت بثلاث طلقات من بندقيته. فجرح أحد عناصرها في كتفه، وألقى عنصر آخر قنبلة يدوية إلى داخل المطبخ. حاول طوني الارتداد كي يحمي نفسه، لكن القنبلة انفجرت قبل أن ينهي حركته، وانتشرت شظاياها في كلّ اتجاه.
أصيب طوني إصابة بليغة في الظهر، وسقط منبطحاً على بطنه فاقداً وعيه.
دخل الكتائبيون القصر بينما كانت فيرا تدخل الصالون حاملة ابنتها جيهان بين ذراعيها، عندما وقع بصرُها على جسد زوجها، أطلقت صرخة دهشة وألم، وارتمت عليه، وأخذت رأسه بين يديها (...). فتم تصفية طوني فرنجية، وزوجته وابنتهما الطفلة جيهان (ذات الثلاث سنوات)، بالإضافة إلى نحو 30 إلى 34 شخصاً من الحراس والمناصِرين وأهالي البلدة الذين هبوا للدفاع عن القصر، كذلك أصيبت بجرح مميت المربية فدوى بركات (55 سنة) التي كانت قد لحقت به، و نجا من العائلة الابن الصغير سليمان فرنجية "الرئيس الحالي لتيار المردة" لأنه كان مصادفة في بيروت تلك الليلة.
إلا ان أهالي زغرتا كان ردُّهم عنيفاً، وطردوا كل الكتائبيين من منطقة الشمال حتى المدفون بعدما أعطوهم مهلة 15 يوماً لتسليم أسلحتهم وبطاقاتهم الانتخابية تحت طائلة التهديد بالقتل.
أما الرئيس فرنجية الذي عانى قبل الجريمة من ذبحة صدرية، وكان في فترة النقاهة، فما إن علم بالأمر حتى طلب الذهاب الى إهدن، وشاهد الدماء والقتلى وبكى وقال "فداء للبنان"، بينما تمتم عند رؤية الطفلة جيهان: "الأمور تتساوى بين الرجال ولكن هذه الطفلة من يغسل دمها"؟.
دفعت المجزرة بالرئيس سليمان فرنجية وتيار المردة إلى فك أي ارتباط بالمنطقة الشرقية لبيروت ذات الغالبية المسيحية، والتحالف المطلق والاستراتيجي مع الدولة السورية والجيش السوري. وفتحت زغرتا بواباتها للقوات السورية لخلق جبهة دفاعية صلبة ضد الكتائب.
و رداً على المجزرة وبطلب من فرنجية، شن الجيش السوري معركة طاحنة ضد قوات الكتائب في الأشرفية وبيروت الشرقية عُرفت بـ"حرب المئة يوم" (صيف 1978)، مما عمق الفرز الأمني والسياسي في البلاد.
رغم بشاعة المجزرة، نجح بشير الجميّل تكتيكياً في إقصاء آل فرنجية عسكرياً عن مناطق النفوذ المسيحي الوسطى (الكسليك، الأشرفية، المتن)، وهو ما مهد له الطريق لاحقاً في عام 1980 للقضاء على الميليشيا المسيحية الأخرى (نمور الأحرار التابعة لكميل شمعون في مجزرة الصفرا)، ليتفرد بالقرار المسيحي ويُنتخب رئيساً للجمهورية عام 1982 قبل اغتياله.
(المصدر: بوابة صيدا + "مجزرة إهدن" للكاتب الفرنسي ريشار لابيفيير + ويكابيديا)
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً