بوابة صيدا ـ في مثل هذه الأيام من عام 1958م تحول لبنان إلى حلبة ملاكمة مكشوفة بين المد العروبي لجمال عبد الناصر والمشروع الأمريكي في الشرق الأوسط.
من رصاصة اغتيال "نسيب المتني" إلى ليلة التجديد المستحيلة لكميل شمعون، اشتعلت الشوارع بالمتاريس قبل أن يستيقظ اللبنانيون في 15 تموز/ يوليو على مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) يحتلون شواطئ خلدة والأوزاعي.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم تفكيك الصندوق الأسود لثورة 1958م لنروي لكم كيف منعت حكمة فؤاد شهاب صدام الجيش مع الأمريكيين، وكيف صاغت هذه الأزمة الجينات الأولى للانقسام اللبناني المستمر!
بوابة صيدا ـ في 8 أيار / مايو 1958م (19 شوال 1377هـ) اندلعت أزمة سياسية بين الرئيس كميل شمعون ومعارضيه عقب اغتيال الصحفي المعارض نسيب المتني (رئيس تحرير جريدة "التلغراف")، مما فجر إضراباً عاماً تحول سريعاً إلى صدام مسلح. لكن الأسباب العميقة كانت تراكمات استراتيجية ومحلية خطيرة.
كان العالم يعيش ذروة "الحرب الباردة" رغب الرئيس كميل شمعون في ربط لبنان بالمحور الغربي وتبني "مبدأ أيزنهاور" (لمكافحة الشيوعية في الشرق الأوسط)، وبارك "حلف بغداد".
في المقابل، شهد الشارع اللبناني (خاصة الإسلامي والعروبي) غلياناً قومياً عارماً بعد صعود جمال عبد الناصر وإعلان "الجمهورية العربية المتحدة" (الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958)، وطالبت المعارضة بقيادة أقطاب مثل صائب سلام، رشيد كرامي، وكمال جنبلاط بإنهاء سياسة شمعون المؤيدة للغرب.
و اتهمت المعارضة الرئيس شمعون بتزوير الانتخابات النيابية عام 1957 لإسقاط الرموز العروبية، والتمهيد لتعديل الدستور بغية التجديد لنفسه لولاية رئاسية ثانية، وهو ما اعتبره المسلمون والقوى التقدمية ضربة للميثاق الوطني وتهميشاً كاملاً لدورهم.
اتخذ قائد الجيش آنذاك، اللواء فؤاد شهاب، موقفاً برفض زج الجيش في قمع المعارضة أو الانحياز لطرف ضد آخر، معتبراً أن الأزمة سياسية بامتياز، واقتصر دور الجيش على حماية المؤسسات والمرافق العامة، مما أضعف موقف شمعون عسكرياً.
في 11 حزيران/ يونيو 1958م (24 ذو القعدة 1377هـ) صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 128 وقرر بناء على طلب الحكومة اللبنانية إرسال فريق من المراقبين الدوليين إلى لبنان، مهمته التأكد من عدم حصول تسرب غير مشروع للرجال والأسلحة والمعدات الأخرى عبر الحدود اللبنانية.. وانتهى عمل المحققين إلى عدم وجود أي دليل على تدخل الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) بالشؤون اللبنانية، أو تمرير السلاح عبر الحدود.
عاش لبنان شهرين من الاختلاف الداخلي وتقطيع أوصال البلد والخطوط الحمراء المتبادلة بين الطرفين، إلى أن وقع حدث إقليمي زلزل الحسابات في 14 تموز / يوليو 1958م (27 ذو الحجة 1377هـ) وهو الإطاحة بالنظام الملكي الهاشمي في العراق (ثورة 14 تموز) ومقتل الملك فيصل الثاني ورئيس وزرائه نوري السعيد (حليف الغرب الأبرز).
شعر كميل شمعون بالذعر من انتقال حمى الثورة العروبية المدعومة من عبد الناصر إلى لبنان، فأبرق فوراً في اليوم نفسه (14 تموز / يوليو) إلى واشنطن طالباً التدخل العسكري العاجل لحماية نظامه.
استجاب الرئيس الأمريكي أيزنهاور، لطلب شمعون فيما سمي بعملية الخفاش الأزرق، وفي صباح 15 تموز/ يوليو 1958م (27 ذو الحجة 1377هـ) [بعد يوم واحد من استنجاد شمعون] نفذت مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) إنزالاً عسكرياً ضخماً على شواطئ خلدة و الأوزاعي بجنوب بيروت و وصل عدد القوات لاحقاً إلى قرابة 14000 جندي أمريكي، مدعومين بالأسطول السادس.
استهدف الإنزال الأمريكي الحيلولة دون سيطرة المعارضة اللبنانية على البلاد، ووصول قادتها إلى السلطة، ودعم علني لحكومة كميل شمعون الموالية للغرب المهدَدة (كما زعم شمعون) من سوريا ومصر (الجمهورية العربية المتحدة) وكانت تقضي الخطة احتلال وتأمين مطار بيروت الدولي، وميناء بيروت ومداخل المدينة.
تحرك المارينز صَوْب العاصمة، وكاد يقع صدام مسلح مع الجيش اللبناني الذي اعتبر الإنزال انتهاكاً للسيادة، لكن الدبلوماسية، وسير اللواء فؤاد شهاب جنباً إلى جنب مع السفير الأمريكي "روبرت ميرفي" لجمت التوتر، وتحولت القوات الأمريكية إلى قوة فصل وتأمين دون الانخراط في قتال مباشر مع المعارضة.
أدركت واشنطن أن الحل العسكري لن يحمي شمعون، فجاء المبعوث الأمريكي "روبرت ميرفي" ليعقد تسوية سياسية أدت إلى التنازل عن فكرة التجديد لشمعون، وتقديم مخرج ميثاقي تمثل في انتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في 31 تموز/ يوليو 1958م (15 محرم 1378هـ) وتولى السلطة في أيلول/سبتمبر مع انتهاء ولاية شمعون الرسمية، لتبدأ مرحلة "الشهابية السياسية".
شكل الرئيس شهاب حكومة إنقاذ وطني رباعية برئاسة أحد أبرز قادة المعارضة (الرئيس رشيد كرامي)، ورُفع الشعار التاريخي السائد حتى اليوم: "لا غالب ولا مغلوب".
في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 1958م (13 ربيع الثاني 1378هـ) غادر فريق الأمم المتحدة لبنان بعد عودة الهدوء، وانسحاب القوات الأمريكية من الأراضي اللبنانية.
نجح العهد الشهابي في بناء مؤسسات الدولة (مجلس الخدمة المدنية، التفتيش المركزي، مصرف لبنان) وتحقيق إنماء متوازن لامتصاص نقمة المحرومين، لكنه في المقابل، اعتمد بشكل مفرط على جهاز مخابرات الجيش (المكتب الثاني) لضبط التوازنات السياسية وقمع المعارضين، مما خلق أزمة ثقة لاحقاً مع الطبقة السياسية التقليدية.
و تبلورت بعد الأزمة قاعدة ذهبية في السياسة الخارجية اللبنانية، وهي محاولة الوقوف في الوسط تحت مسمى "لا شرق ولا غرب" أو التناغم العروبي غير المعادي للغرب، وهو المفهوم الذي اهتز لاحقاً مع دخول العامل الفلسطيني على خط الأزمة.
و كشفت أحداث 1958م عن "الهشاشة البنيوية" للصيغة اللبنانية؛ حيث تبين أن أي خلل في التوازنات الإقليمية ينعكس فوراً انقساماً مسلحاً على الأرض.
لم تُعالج جذور الأزمة (الطائفية السياسية، غياب العدالة الاجتماعية الكاملة، الهواجس المتبادلة بين المسيحيين والمسلمين)، فظلت الجمار تشتعل تحت الرماد حتى انفجرت بشكل كارثي وشامل في الحرب الأهلية الكبرى عام 1975م.