قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
شهد المشرق العربي في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر تحولًا جيوسياسيًا فارقًا، تمثّل في صعود شخصية استطاعت أن تحوّل مصر من ولاية عثمانية تعاني من الفوضى والاضطراب إلى قوة إقليمية ضاربة هددت عرش الخلافة العثمانية ذاته.
إنه محمد علي باشا، الذي مزج بين الدهاء السياسي، والبطش العسكري، والرؤية التحديثية المبكرة، ليرسي دعائم الدولة الحديثة ويترك إرثًا تاريخيًا ما زال محط جدل بين المؤرخين.
المولد والنشأة والبدايات الأولى
ولد محمد علي عام 1769م 4 آذار / مارس 1769م (26 شوال 1182هـ) في مدينة كافالا (قوالة) الساحلية الواقعة في مقدونيا اليونانية (والتي كانت تابعة لليونان العثمانية آنذاك)، لأسرة ألبانية الأصل.
كان والده "إبراهيم أغا" قائدًا لفرقة حراسة الطرق في المدينة، وقد توفي ومحمد علي ما زال صغيرًا، فكفله حكام المدينة ورعوه.
البدايات الاقتصادية والعسكرية
بدأ محمد علي حياته العملية في تجارة التبغ، وهي المهنة التي أكسبته خبرة واسعة في إدارة المال وفهم الشبكات التجارية وحسابات السوق، قبل أن ينخرط في السلك العسكري المحلي.
الدخول إلى مصر (1801)
عقب الانسحاب الفرنسي من مصر إثر حملة نابليون بونابرت، أرسلت الدولة العثمانية كتائب عسكرية لإعادة فرض سيطرتها. كان محمد علي نائبًا لقائد الفرقة الألبانية المشاركة ضمن القوات العثمانية.
دخل محمد علي مصر وهي تعيش حالة من الفراغ السياسي والتخبط المالي، حيث تصارعت ثلاث قوى على السلطة: الوالي العثماني وممثلو السلطان، أمراء المماليك، وقادة الحملة البريطانية الطامعون في موقع مصر الاستراتيجي. وسط هذا الصراع، استغل محمد علي منصبه العسكري للتقرب من المشايخ والعلماء والوجهاء المحليين.
استخدم محمد علي استراتيجية القوة الناعمة والدهاء السياسي لملء فراغ السلطة وتصفية المنافسين تدريجيًا.
و استغل الاضطرابات الثورية والتذمر الشعبي ضد الولاة العثمانيين وفرضهم للضرائب الجائرة، فأظهر نفسه حاميًا للشعب ومطيعًا للعلماء، مما أكسبه ثقة الزعامة الشعبية بقيادة عمر مكرم.
توليه الولاية (1805)
في ايار / مايو 1805م، قادت الزعامة الشعبية ثورة ضد الوالي العثماني "خورشيد باشا"، وقررت عزله، واختيار محمد علي واليًا على مصر، وامام هذا الضغط الشعبي، اضطر السلطان العثماني سليم الثالث في 9 تموز / يوليو 1805م (12 ربيع الثاني 1220هـ) إلى إصدار فرمان سلطاني يثبت محمد علي واليًا رسميًا على مصر.
فور تسلمه الحكم، شرع في التركيز على أن يكون القرار السياسي بيده وحده، فتخلص تدريجيًا من نفوذ الزعامة الشعبية (ونفى عمر مكرم إلى دمياط عام 1809م) ليضمن عدم وجود أي سلطة موازية لقراراته.
القضاء على المماليك: مذبحة القلعة (1811)
شكل المماليك العائق الأكبر أمام مشروع محمد علي الشمولي، حيث كانوا يسيطرون على الأقاليم ويمتلكون النفوذ العسكري والمالي.
في 1 آذار / مارس 1811م (6 صفر 1226هـ) دعا محمد علي كبار أمراء المماليك وفرسانهم (نحو 470 قائدًا) إلى قلعة القاهرة للاحتفال بتولية ابنه طوسون باشا قيادة الجيش المتجه إلى الحجاز.
بعد انتهاء المأدبة وأثناء خروج موكب المماليك عبر ممر القلعة الضيق، أُغلقت الأبواب وتمركزت القوات الألبانية على الأسوار وأمطرتهم بوابل من الرصاص، مما أدى إلى إبادتهم جميعًا، ونجا واحد فقط هو أمين بك الذي قفز بحصانه من فوق سور القلعة.
أعقب هذه المذبحة حملة تمشيط في القاهرة والأقاليم المصرية استمرت ثلاثة أيام، قُتل فيها نحو 1200 من المماليك، لتُطوى صفحة حكم المماليك التي دامت أكثر من خمسة قرون في مصر، ومهدت هذه المجزرة الطريق لمحمد علي لينفرد بالسيطرة المطلقة على مقدرات البلاد وبناء جيش ونظام إداري مركزي حديث دون منافسة داخلية.
العلاقات الدبلوماسية مع القوى الأوروبية والقطيعة مع الباب العالي
اتسمت سياسة محمد علي الخارجيّة بالبراغماتية الشديدة، حيث سعى لبناء قوة استقلالية عن الدولة العثمانية اعتُبرت في الأستانة خروجًا عن الطاعة وخيانة للدولة.
العلاقات مع فرنسا وبريطانيا
أدرك محمد علي أن بقاءه وتوسعه يعتمدان على التوازنات الدولية، فأقام علاقات وثيقة مع فرنسا التي أمدته بالخبراء العسكريين (مثل المهندس الحربي سيف/سليمان باشا الفرنساوي) والأطباء والمهندسين.
في المقابل، احتفظ بعلاقات تجارية حيوية مع بريطانيا، معتمدًا على الدبلوماسية المرنة لتجنب التدخل العسكري المباشر ضده لأطول فترة ممكنة.
وقدم محمد علي للتجار الأوروبيين حماية الطرق التجارية والتسهيلات الاقتصادية، مقابل حصوله على الأسلحة العسكرية المتطورة، والمعدات الحديثة، والاعتراف الضمني بنفوذه الإقليمي.
الحملات والحروب ضد الدولة العثمانية ومعها
خاض محمد علي حروبًا متعددة، بعضها بطلب من السلطان العثماني، وأخرى ضد السلطان نفسه لتحقيق طموحاته التوسعية.
الحروب مع الدولة العثمانية
حرب الحجاز (1811 – 1819): خاضها بطلب من السلطان محمود الثاني للقضاء على الحركة "الوهابية" في الجزيرة العربية واستعادة الحرمين الشريفين، وقاد الحملات أبناؤه طوسون وإبراهيم باشا.
حرب المورة/اليونان (1821 – 1828): أرسل أسطوله وجيشه بقيادة إبراهيم باشا لقمع الثورة اليونانية ضد الحكم العثماني، وتكبد خسائر فادحة في معركة نافرينو (1827) بعد تدخل الأسطول المشترك لبريطانيا وفرنسا وروسيا.
الحروب ضد الدولة العثمانية
الحملة الأولى (1831 – 1833): اجتاح الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا الشام، وحقق انتصارات متتالية على الجيش العثماني في حمص وشذرة وقونية (1832)، وأصبح الطريق مفتوحًا أمامه إلى عاصمة الخلافة العثمانية.. و انتهت الموجة بتدخل الدول الأوروبية وفرض "اتفاقية كوتاهية" (1833) التي منحت محمد علي حكم الشام وأضنة إلى جانب مصر والحجاز.
الحملة الثانية (1839 – 1841): تجدد الصراع في معركة "نزيب" (1839) حيث دمر الجيش المصري الجيش العثماني بالكامل وانضم الأسطول العثماني إلى محمد علي في الإسكندرية.
سعت القوى الأوروبية (خاصة بريطانيا والنمسا وروسيا) لمنع سقوط الدولة العثمانية وانهيار التوازن الدولي. ففرضت أوروبا على محمد علي "معاهدة لندن 1840"، والتي أجبرته على الانسحاب من الشام والحجاز والتخلي عن أسطوله، مقابل منح عائلته حكم مصر والسودان وراثيًا بشرط التبعية الاسمية للسلطان العثماني ودفع جزيّة سنوية، مع تخفيض عديد جيشه.
التوسع والتمدد الإقليمي
فتح السودان (1820 – 1822): أرسل محمد علي حملات عسكرية بقيادة ابنه إسماعيل باشا لتحقيق أهداف اقتصادية (البحث عن الذهب وتأمين المنافع التجارية) وعسكرية (تجنيد أبناء السودان في الجيش الجديد). وأسس مدينة الخرطوم عام 1830م لتكون عاصمة إدارية.
الجزيرة العربية: أتاحت له السيطرة على الحجاز ونجد التحكم في المعابر التجارية في البحر الأحمر وإضفاء شرعية دينية وسياسية على حكمه.
سوريا ولبنان و فلسطين: أمنت له السيطرة على الشام الحصول على المواد الخام (كالخشب لبناء الأسطول) والتحكم في خطوط التجارة الممتدة إلى الأناضول وقارس.
نشر العلمنة.. باسم التحديث.. والإصلاح
يُعد محمد علي باني نظام التحديث في مصر، حيث أقام دولة ذات طابع إداري وتنظيمي صارم اعتمد على اقتباس العلوم والتطبيقات الغربية..
الإصلاحات الاقتصادية: ألغى نظام التزام الأراضي وطبق نظام "الاحتكار"، حيث أصبحت الدولة هي المشتري والمورد الوحيد للمنتجات الزراعية والصناعية. ودخلت زراعة القطن طويل التيلة التي غيرت وجه الاقتصاد المصري.
البعثات العلمية إلى الغرب: أرسل عشرات البعثات التعليمية إلى فرنسا وبريطانيا وإيطاليا لتعلم الهندسة، الطب، العلوم العسكرية، وبناء السفن. وكان من أبرز أعلام هذه الحركة رفاعة الطهطاوي الذي تولى ترجمة العلوم وتأسيس مدرسة الألسن، ومن خلالها بدأت بذور العلمانية في مصر، القائمة على فصل الدين عن الدولة، والتي حارب محمد علي لترسيخها في المجتمع المصري، و الشعوب العربية التي كانت تحت حكمه..
المؤسسات الحديثة والتأثير الإداري
الجيش والأسطول: أنشأ محمد علي جيشًا نظاميًا حديثًا قائمًا على التجنيد الإجباري للفلاحين المصريين، وبنى مجمع الترسانة البحرية في الإسكندرية.
التعليم والطب: تأسست مدرسة الطب في أبو زعبل على يد الطبيب الفرنسي "كلود بك"، إلى جانب مدارس المهندسخانة والطب البيطري والحرير.
الطابع المؤسسي والدنيوي (العلمانية الإدارية): رغم أنه لم يعلن العلمانية بمفهومها الفلسفي الحديث، إلا أنه فصل القضاء والتعليم والإدارة العملية عن الإشراف الديني المباشر للأزهر، وأنشأ مجالس وديوانية مدنية (مثل مجلس الشورى) تُدار بقوانين ولوائح تنظيمية بديلة عن الأحكام الإسلامية.
نهاية المشوار
تدهورت الحالة الصحية والعقلية لمحمد علي باشا في أواخر حياته بسبب مرض الخرف (الألزهايمر)، مما أدى إلى تجريده من مهام الحكم وتسليم الإدارة لابنه إبراهيم باشا عام 1848م، لكن إبراهيم توفي بعد أشهر قليلة في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1848م (14 ذو الحجة 1264هـ) لتنتقل السلطة إلى حفيده عباس حلمي الأول.
توفي محمد علي باشا في 2 آب / أغسطس 1849م (13 رمضان 1265هـ) عن عمر يناهز 80 عامًا، في قصر رأس التين بالإسكندرية. نُقل جثمانه إلى القاهرة ودُفن في المسجد الذي بناه بنفسه في قلعة القاهرة.
تقييم حكم محمد علي باشا
حروب محمد علي وعصيانه على الدولة العثمانية، وتحالفه مع أعدائها، ومع اعداء المسلمين خاصة فرنسا، ساهمت بشكل مباشر في إنهاك الخلافة العثمانية وإضعاف بنيتها، و جعله (محمد علي) من أخطر العوامل التي صبت في مصلحة القوى الاستعمارية، ومهدت الطريق أمام الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830) وتونس (1881)، والاحتلال البريطاني لمصر (1882)، والتغلغل الغربي في المنطقة العربية لاحقاً..
ــــــــــــــ
إقرأ أيضاً
العار الأمريكي في سجن أبو غريب
غريغوريوس الخامس.. البطريرك الذي شنقه العثمانيون في عيد الفصح