قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
في تاريخ النضال ضد الاستعمار الإندونيسي، تبرز شخصية استثنائية حُفر اسمها بحروف من ذهب، إنها المناضلة الإندونيسية "كوت نياك دين" (Cut Nyak Dhien)، التي خاضت معركة شرسة ضد الاحتلال الهولندي لسنوات طويلة، وأصبحت رمزاً تاريخياً للشجاعة والصمود في إقليم "آتشيه".
نشأتها وبداية النضال
ولدت "كوت نياك دين" عام 1848 في منطقة "لامباديغ" بسلطنة آتشيه، ونشأت في عائلة مسلمة متمسكة بالدين وذات نفوذ سياسي وديني. تلقت تعليماً دينياً أهّلها لحفظ القرآن الكريم وإتقان العلوم الشرعية، وهو ما أكسبها لاحقاً لقب "ملكة القرآن".
بدأ تحول حياتها بشكل جذري مع اندلاع حرب آتشيه (1873-1904) عندما شنت القوات الهولندية هجوماً لاحتلال المنطقة. وسرعان ما تحول التزامها الديني إلى عقيدة قتالية عندما قُتل زوجها الأول "تيوكو إبراهيم لمبانغ" خلال مواجهة المسلحين الهولنديين عام 1878، فأقسمت ألا تستسلم وأن تقود المقاومة بنفسها.
قيادة الثورة ولقب "ملكة الجهاد"
تزوجت بعدها من القائد المقاوم "تيوكو أومار" واشترطا معاً مواصلة القتال ضد الاستعمار. وقاد الزوجان معارك حرب عصابات تكبدت فيها القوات الهولندية خسائر فادحة. وتميزت "كوت نياك دين" بالتخطيط العسكري وحشد المقاتلين، بل والمشاركة المباشرة في أرض المعركة.
بعد مقتل زوجها الثاني عام 1899، رفضت الاستسلام رغم تقدمها في السن وتدهور حالتها الصحية، وظلت تقود فصائل المجاهدين في الغابات والمناطق الجبلية الوعرة لأكثر من خمس سنوات، معتمدة على التكتيكات الحربية السريعة والروح المعنوية المستمدة من القرآن الكريم، مما جعل الأعداء والمحاربين يطلقون عليها لقب "ملكة الجهاد".
الأسر والنفي والرحيل
في عام 1901، وبسبب إصابتها بضعف الشديد في البصر والتهاب المفاصل المزمن، قام أحد أتباعها المقربين - خوفاً على حياتها ورحمةً بوضعها الصحي - بإبلاغ السلطات الهولندية عن مكان مخبئها مقابل شرط معاملتها باحترام. وعندما اقتحمت القوات الهولندية معسكرها، حاولت المقاومة بسيفها لكنها أُسرت.
خشيت السلطات الهولندية من استمرار تأثيرها في إشعال الثورات داخل آتشيه، فقررت نفيها عام 1907 إلى منطقة "سوميدانغ" في غرب جاوة في بلدة صغيرة لا تتحدث لغتها ولا تمتّ إلى آتشيه بصلة.
وأخفى الهولنديون هويتها الحقيقية عمداً، واكتفوا بوصفها سيدة نبيلة من "الضفة الأخرى".
لكن السر لم يبقَ مكتوماً. تساءل السكان المحليون: لماذا تُبدي هولندا كل هذا "الاهتمام" بامرأة عمياء، هزيلة، متقدمة في السن؟ فحاولوا الحديث معها، فاكتشفوا أن هذه العجوز تحفظ القرآن الكريم، وتجويده، وعلمها غزير.
وهكذا، في منفاها، أصبحت معلّمة للقرآن الكريم. ولقّبها أهل البلدة بـ "إيبو بيربو" (Ibu Perbu)، أي "الملكة" أو "السيدة".
توفيت "كوت نياك دين" في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 1908، ودفنت في "سوميدانغ".
لم يكن أحد يعلم حقيقة هذه السيدة حتى عام 1960، حين اكتشفت الحكومة الإندونيسية في أرشيف السلطات الهولندية أن تلك العجوز العمياء التي كانت تُدرّس القرآن في سوميدانغ، والمعروفة بـ "إيبو بيربو"، هي نفسها القائدة العليا لقوات حرب العصابات في آتشيه، التي لُقّبت بـ "ملكة الجهاد" (Ratu Jihad).
"ملكة القرآن" و"ملكة الجهاد"... امرأة واحدة. تاجان حملتهما في حياتها: تاج من الصبر على الإيمان، وتاج من الصمود في وجه الاحتلال.
في عام 1964، أعلنت الحكومة الإندونيسية رسمياً "كوت نياك دين" بطلة وطنية لإندونيسيا (National Hero of Indonesia)، وتخليداً لذكراها أُطلق اسمها على مطار "كوت نياك دين" في ناد آتشيه، كما صُممت العديد من النصب التذكارية ورُسمت صورتها على إحدى الفئات النقدية الإندونيسية، لتبقى قصة حياتها شاهداً على تلاحم الإيمان بالوطن والجهاد ضد الاستعمار.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
موسى بن نصير.. العبقري الذي روّض المغرب وفتح الأندلس ومات فقيراً في طريق الحج
يوم غضب كنكا موسى من أجل أم وابنتها..