قسم التوثيق في موقع بوابة صيدا
في سجلات التوثيق التاريخي للشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى، يبرز اسم القائد الكازاخي المسلم "عثمان باتور" (المعروف أيضاً بـ "عثمان إسلام أوغلو") كأحد أعظم رموز المقاومة والنضال الوطني في تاريخ "تركستان الشرقية" (إقليم سينكيانغ حالياً)، والذي كرس حياته لمواجهة التغلغل السوفيتي والسيطرة الصينية، مضحياً بحياته في سبيل عقيدته وهويته الإسلامية.
النشأة والجذور الكازاخية
ولد "عثمان بن إسلام باي" عام 1894هـ في منطقة ألتاي (شمال شرق تركستان الشرقية)، وينتمي إلى قبيلة كازاخية مسلمة اعتادت حياة الترحال والرعي والصيد.
نشأ في بيئة صحراوية وجبلية قاسية أكسبته مهارات القتال والمراوغة وركوب الخيل منذ صغره، ونال لقب "باتور" (والتي تعني بالتركية والكازاخية: البطل أو الفارس الشجاع) نظراً لبسالته الفائقة في المعارك وإقدامه ميدانياً.
الشرارة الأولى والتصدي للتغلغل الشيوعي
مع اشتداد الحملات القمعية التي شنها حكام إقليم سينكيانغ التابعون للحكومة الصينية الوطنية (الكورمينتانغ) بدعم وتنسيق من الاتحاد السوفيتي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، والتي استهدفت المصادرة الإجبارية للأراضي وإغلاق المساجد والكتاتيب القرآنية ومحاربة الهوية الإسلامية، أعلن عثمان باتور الثورة المسلحة في 1940 من جبال ألتاي، حاشداً قبائل الكازاخ وجموع المسلمين لرفض سياسات التهجير والقمع.
و اعتمد على حرب العصابات والاستفادة من طبيعة تضاريس جبال ألتاي الوعرة، مطبقاً تكتيك الكر والفر ضد القوات الصينية والسوفيتية المجهزة بأسلحة ثقيلة، مما مكّنه من إلحاق خسائر فادحة بخصومه وتثبيت نفوذه على مناطق شاسعة في ألتاي.
جمهورية تركستان الشرقية الثانية ومرحلة الصراع التكتيكي
في منتصف الأربعينيات، تقاطعت حركة عثمان باتور مع المساعي الإقليمية لإقامة "جمهورية تركستان الشرقية الثانية" (1944 – 1949). وعُيّن باتور حاكماً لمنطقة ألتاي، إلا أنه سرعان ما دخل في مواجهة فكرية وسياسية مع التيارات اليسارية والشيوعية المدعومة من موسكو داخل الجمهورية، إذ رفض رفضاً قاطعاً الوقوع تحت وصاية الاتحاد السوفيتي أو استبدال الاحتلال الصيني بنفوذ إلحادي آخر، متمسكاً بالاستقلال الكامل والهوية الإسلامية الصافية.
المواجهة الحاسمة مع الجيش الأحمر الصيني
عقب نجاح الثورة الشيوعية الصينية بزعامة "ماو تسي تونغ" عام 1949 واجتياح الجيش الشعبي الصيني لبلاد تركستان الشرقية وضمها رسمياً، رفض عثمان باتور الاستسلام أو إلقاء السلاح، فانسحب مع فلول مقاتليه وأسرهم نحو المناطق الجبلية والمغاور في تكان وقانسو، و واصل المقاومة في ظروف جوية ومعيشية حادة وقاسية، و قاد معارك عنيفة لعدة أشهر ضد قوات صينية تفوقه عدداً وعتاداً بآلاف المرات.
الأسر والأيام الأخيرة: إعدام الفارس
في شباط / فبراير 1951 وعقب حصار شديد ونفاد الذخيرة والمؤن في مقاطعة تشينغهاي، وقع عثمان باتور في أسر القوات الصينية بعد معركة شرسة استبسل فيها حتى اللحظة الأخيرة.
اقتيد باتور إلى مدينة أورومتشي (عاصمة الإقليم)، وسُجن وتعرض للتعذيب بهدف الكسر من معنويات أنصاره، إلا أنه ظل ثابتاً على مواقفه ورفض تقديم أي اعتذار أو تنازل للمحتل الحاكم.
صدر بحقه حكم بالإعدام، ونُفذ الحكم علناً رمياً بالرصاص في 29 نيسان / أبريل 1951م (15 رجب 1370 هـ) ..
يُعد عثمان باتور في الذاكرة التاريخية للشعوب التركية والمسلمة في آسيا الوسطى رمزاً حياً للإصرار والتضحية والفروسية.
ـــــــــــ
إقرأ أيضاً