قسم التوثيق التاريخي في موقع بوابة صيدا
كان الشاب "ستيفن كاري بلومبرغ" يتجول بين المباني المجهزة للهدم ليزيل مقابض أبوابها ونوافذها التراثية لإنقاذها من الاندثار. و لم يكن بلومبرغ بحاجة إلى المال، إذ كان يعيش من صندوق مساعدة عائلي يدر عليه مبلغاً كبيراً من المال...
ولكن شغفه بكل ما هو تراث، حرفه عن مساره الأول (المقابض التراثية)، ليبدأ بـ "أكبر عملية قرصنة ثقافية وسرقة أدبية شهدتها الولايات المتحدة والعالم".
على مدى سنوات، جاب بلومبرغ رفقة صديقه "كينيث جي رودس" - الذي يرافقه منذ منتصف السبعينيات - الولايات الكندية والأمريكية. ولم تكن تلك الرحلات مجرد نزهات، بل كانت مسحاً شاملاً طال أكثر من 268 جامعة، ومتاحف ومكتبات موزعة على 45 ولاية أمريكية (على رأسها العاصمة واشنطن) ومقاطعتين في كندا.
استطاع بلومبرغ استبدال وسرقة أكثر من 23600 كتاب ومخطوطة نادرة، قُدِّرت قيمتها الإجمالية بـ 5.3 مليون دولار.
وضمت حصيلته المسروقة كنزاً تاريخياً لا يُقدَّر بثمن، من بينها الطبعة الأولى من رواية "كوخ العم توم" للكاتبة هارييت بيتشير ستو، وأول كتاب نُشر في كونيتيكت عام 1710 (اعتراف الإيمان)، وكتاب "الأساقفة"، و25 صندوقاً من الوثائق النادرة لتاريخ أوريغون المبكر ومذكرات "ويبفوت".
كما استولى على مجلدات من القرن السادس عشر، والنسخة الأصلية من "نورمبرغ كرونيكل" الصادرة عام 1493م للكاتب هارتمان شيدل، وقائمة "الزامورانو 80" النادرة التابعة لنادي الكتاب بـ لوس أنجلوس، فضلاً عن نصوص أثرية طُبعت بأول مطبعة في كاليفورنيا.
سقوط المطبوعات وخيانة الصديق
استنفرت الأجهزة الأمنية، وبدأت البحث عن السارق، وجاءت الفرصة الذهبية للسلطات عندما أوشى به صديقه ومرافقه التاريخي "كينيث رودس"، مما أدى لإلقاء القبض عليه في 20 آذار / مارس 1990 بمدينة أوتوموا.
خلال محاكمته عام 1991، صدر بحق بلومبرغ حكم بالسجن لـ 71 شهراً ( 6 سنوات إلا شهر واحد) مع إلزامه بدفع غرامة قدرها 200000 دولار.
بعد قضائه 4 سنوات خلف الأسوار، أُطلق سراحه عام 1995، لكن، عاد للسرقة، و أُدين مجدداً عام 1997 بسرقة تحف أثرية، فُحكم عليه بالسجن عدة سنوات..
واعتقل في تموز / يوليو 2003 بتهمة السطو على منزل في "كيوكوك" ليُدان بها عام 2004، قبل أن يُقبض عليه مجدداً في العام نفسه بتهمة السطو بمدينة "نوكسفيل" بولاية إلينوي.
"هوس الكتب".. تشخيص طبي ومبررات غريبة
أثارت أفعال بلومبرغ فضول الأطباء النفسيين، إذ خضع لفحوصات تحت إشراف الدكتور "ويليام إس لوجان"، مدير قسم القانون والطب النفسي بعيادة "ميننغر".
وكشفت المراجعات التاريخية أن بلومبرغ أُدخل مصحات نفسية عدة مرات خلال مراهقته، وعاينه أكثر من 12 طبيباً نفسياً و شُخِّصت حالته بين الفصام، والاضطراب الوهامي، وجنون العظمة (البارانويا)، والسلوك القهري، ناهيك عن وجود تاريخ للأمراض النفسية في عائلته.
وتم تصنيف حالته سريرياً بـ "الببلومانيا" (Bibliomania)؛ وهو اضطراب نفسي متطرف يتمثل في اندفاع قهري لا يرتد لاقتناء الكتب وتجميع نسخ متعددة منها دون السعي لبيعها، وهي حالة قديمة أُصيبت بها شخصيات عبر التاريخ مثل الشاعر اليوناني "يوريبيديز" في القرن الخامس قبل الميلاد، والعالم "ابن الملقن" الذي أفقده فقدان كتبه عقله.
وفي اعترافاته، صرح بلومبرغ بأنه لم ينظر لنفسه قط كـ "سارق"، بل كـ "حارس أمين للمخطوطات".
و ادعى في التحقيقات أنه كان "يحرر" الكتب لحمايتها من محاولات الحكومة الحجب والاحتكار، زاعماً أنه لم يفكر يوماً ببيعها لأن ذلك "عمل غير شريف"، بل كان ينوي كتابة وصية تعيد هذه المخطوطات لأصحابها الأصليين أو إيداعها لمن يحفظها بعد وفاته.
ورغم كل هذه الدلائل على اختلال دوافعه العقلية، جردته الهيئات القضائية من ذريعة الجنون واعتبرته مسؤولاً وجنائياً ومذنباً بشكل كامل.
ــــــــــــ
إقرأ أيضاً
واشنطن تحترق... حين قررت بريطانيا تغيير ديكور البيت الأبيض بالنار
إحراق المصلح الديني يان هس الذي انتقد فساد الكنيسة واقترح فكرة إصلاحها