بوابة صيدا
في زحمة الحياة، وعالم التجارة، نشأ ماجد شاباً لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، يعيش في نِعم والد غنيٍّ من كبار تجار المدينة.
شاء الله سبحانه وتعالى أن تلتقي خطواته بـ إمام المسجد المجاور، لتلمس كلماته قلبه، ويتذوق حلاوة القرب من الله. سَرعان ما انعكس ذلك على وجهه ضياءً، وعلى شفتيه ابتسامةً عذبة، ولينًا وحباً وتفانياً في معاملة والديه.
غابت من غرفته أصوات الموسيقى الصاخبة، وحلّ مكانها الهدوء والذكر وتلاوة القرآن. لكن هذا التحول الرائع لم يَرُق للوالد الغارق في الدنيا، فبدأ يضايق ابنه ويسخر من عبادته قائلاً: "ما هذه السخافات؟ لماذا تقرأ القرآن؟ هل مات أحد؟".
ولم يقف الأذى عند هذا الحد، فكلما أيقظه ماجد لصلاة الفجر بكل رفق، كان الوالد ـ الذي لم يركع لله ركعة منذ زواجه ـ يثور غضباً ويبصق في وجه ابنه البار!
ولم يكتفِ الأب بذلك، بل توجه إلى إمام المسجد يصرخ في وجهه متهماً إياه بإفساد ابنه. ردّ الإمام بهدوء وابتسامة: "نحن لم نفسد ولدك، بل أرشدناه إلى طريق النجاة، وهو الآن يحفظ ستة أجزاء من القرآن وحريص على صلاته". لكن قسوة الأب تجلّت في تهديده للإمام بتحطيم عظامه إن رأى ابنه عندهم مجدداً، ثم بصق في وجه الإمام الذي لم يزد على أن قال له: "جزاك الله خيراً وهداك ربي".
سعى الأب لإبعاد ابنه عن طريق الاستقامة، فاستعان بابن أخيه المعروف بفساده ليصطحبه إلى خارج البلاد. خدع ابن العم ماجد قائلاً: "ما رأيك أن نسافر إلى إسبانيا لرؤية الآثار الإسلامية؟". وبحكم أن ماجد كان حديث عهد بالاستقامة، وافق وسافر معه على نفقة والده.
نزل الاثنان في فندق يقع بمحاذاة المراقص والملاهي الليلية. في البداية، كان ماجد يعتكف في غرفته رافضاً الخروج، لكن مع الإلحاح وتكرار المحاولات، بدأ يستجيب ويخرج لمشاهدة العروض والرقصات. وشيئاً فشيئاً، انزلق في المنحدر، فترك الصلاة والذكر، وانقاد لسيجارة مخدرة عرضها عليه ابن عمه، ليغرق في بئر الظلمات.
تحول ماجد الشاب الصالح إلى إنسان آخر: سواد يحيط بحدقتيه، سهر، ومسكرات، وزنا، وتضييع للصلوات. حتى بات متعاطياً للهيروين! وكلما أرسل لأبيه يطلب المال، كان الأب يطير فرحاً بضياع دين ابنه. وعندما انتهت مدة الإقامة وحاول ابن عمه إعادته إلى الوطن، صرخ ماجد بمرارة: "لا وطن لي ولا والد ولا أسرة، وطني ووالدي وأسرتي ربع غرام من هذا المسحوق الأبيض!".
عاد ماجد إلى بلاده، لكنه لم يعد ذلك الابن الرؤوف، بل مسخاً دمرته المخدرات. كان الأب في استقباله بالمطار، فكان أول أفعال ماجد أن صفعه على وجهه! حاول الأب معالجته ولكن دون جدوى؛ أصبحت حياة الأسرة جحيماً، يضرب ماجد والده، ويسرق ذهب أمه، ويهددهما بالسكاكين طلباً للمال.
في لحظة انكسار وندم، هرع الأب إلى إمام المسجد باكيًا ومتوسلاً: "سامحني، لقد بصقت في وجهك وأسأت إليك، ولكن ابني أصبح أسيراً للمخدرات، أرجوكم أرجعوه لي جميلاً طاهراً كما كان!". ابتسم الإمام بحزن وقال: "يا أبا ماجد، ادعُ الله بصدق، فهو وحده مالك الهداية".
وبعد أسبوعين فقط من ذلك اللقاء، شُيّعت جنازة الأب والأم في المسجد ذاته، بعدما أقدم ماجد على خنقهما حتى الموت لرفضهما إعطاءه المال لشراء المخدرات.
ومن خلف قضبان السجن المظلمة، كانت دموع ماجد تسكب بغزارة وهو يتمتم بحسرة تمزق القلوب: "لماذا يا أبي؟! ألم يأمرك الإسلام بالرفق بأبنائك؟!".
العبرة
إن هداية الأبناء واستقامتهم نعمة وفضل من الله يستوجبان الشكر والحماية، وليسا عيباً يُحارب. ومن يسعى لإبعاد أبنائه عن طريق الحق والصلاح إرضاءً لغروره أو جهله، إنما يسوقهم ـ ويسوق نفسه معه ـ نحو مهالك الدنيا وعذاب الآخرة، فالتربية أمانة، ومَن يزرع الشوك لا يحصد إلا جراحاً يكتوي بنارها أولاً.
ـــــــــــ
إقرأ ايضاً