بوابة صيدا
خَيَّمَ الهُدُوءُ عَلَى أَرْكَانِ الفَصْلِ بَيْنَمَا كَانَ المُعَلِّمُ يَسْتَعْرِضُ أَسْمَاءَ التَّلَامِيذِ، يَبْحَثُ عَنْ خَيْطٍ يَرُبُطُ بِهِ بَيْنَ حَيَاتِهِمْ وَدُرُوسِهِمْ. تَوَقَّفَ عِنْدَ طَالِبٍ يَجْلِسُ فِي المقْعَدِ الأَخِيرِ، هَادِئًا جِدًّا، يَحْمِلُ فِي عَيْنَيْهِ عُمْقًا لا يُشْبِهُ سِنَّهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ المُعَلِّمُ وَسَأَلَهُ بِبَسَاطَة: "مَاذَا يَعْمَلُ وَالِدُكَ يا بُنَيَّ؟"
تَعَلَّقَتْ أَعْيُنُ الصِّغَارِ بِهِمَا، لَكِنَّ الطِّفْلَ أَطْرَقَ رَأْسَهُ إِلَى الأَرْضِ وَلَمْ يَنِطِقْ بِكَلِمَة.
ظَنَّ المُعَلِّمُ أَنَّ الصَّبِيَّ سَاهٍ، فَكَرَّرَ السُّؤَالَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرِ حَزْمًا: "مَاذَا يَعْمَلُ وَالِدُكَ؟"
اسْتَمَرَّ صَمْتُ الطِّفْلِ كَأَنَّهُ جِدَارٌ صَلْبٌ يَقِفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العَالَمِ. كَانَتْ نَظَرَاتُهُ مُثَبَّتَةً عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَتَفَاصِيلُ وَجْهِهِ لا تُفْصِحُ عَنْ شَيْء.
هُنَا، فَقَدَ المُعَلِّمُ صَبْرَهُ، وَامْتَلَأَ الفَصْلُ بِصَوْتِهِ الغَاضِبِ وَهُوَ يَصْرُخُ أَمَامَ الجَمِيعِ: "يَا لَكَ مِنْ غَبِيّ! أَلَا تَعْرِفُ حَتَّى مَاذَا يَعْمَلُ أَبُوكَ؟!"
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اهْتَزَّ الصَّمْتُ الثَّقِيلُ. رَفَعَ الطِّفْلُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَتَلَاقَتْ عَيْنَاهُ المَكْسُورَتَانِ بِعَيْنَيِ المُعَلِّمِ، وَبِنَبْرَةٍ خَافِتَةٍ تَهْتَزُّ حُزْنًا قَال: "بَلَى أَعْرِفُ.. إِنَّهُ نَائِمٌ فِي قَبْرِهِ."
سَكَنَ الفَصْلُ كُلُّهُ، وَانْخَفَضَتْ صَرْخَةُ المُعَلِّمِ فِي حَلْقِهِ كَأَنَّهَا خَنْجَرٌ ارْتَدَّ إِلَيْهِ.
صَارَتْ القَاعَةُ شَاهِدَةً عَلَى خَجَلٍ عَمِيقٍ يَمْلَأُ عَيْنَيِ المُرَبِّي، وَعَلَى جُرْحٍ كَانَ يَسْتَتِرُ خَلْفَ هُدُوءِ الطِّفْلِ.
العِبْرَةُ
كَثِيرًا مَا نَسْتَعْجِلُ إِطْلَاقَ الأَحْكَامِ وَتَوْجِيهَ الكَلِمَاتِ، دُونَ أَنْ نَدْرِيَ أَنَّ صَمْتَ البَعْضِ لَيْسَ جَهْلًا وَلَا كِبْرًا، بَلْ هُوَ امْتِلَاءٌ بِوَجَعٍ يَجْعَلُ الكَلَامَ مُسْتَحِيلًا. لا تَجْرَحُوا الأَرْوَاحَ بِسُوءِ الظَّنِّ، فَخَلْفَ كُلِّ صَمْتٍ قِصَّةٌ لا يَعْلَمُ عُمْقَهَا إِلا الله.
ـــــــــــ
إقرأ ايضاً
في باحات الحرم المكي: دموع "حاجة" أعجمية تفضح هجرنا لكتاب الله