• لبنان
  • السبت, كانون الثاني 31, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 4:37:09 م
inner-page-banner
مقالات

شقّ الطرق الاستيطانية كأداة لانتهاك القانون الدولي وفرض الوقائع غير المشروعة …

بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين الدكتور وسيم وني ـ بوابة صيدا

تشهد الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا سيما الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، تصعيدًا ممنهجًا في مشاريع شقّ الطرق التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في إطار سياسة تخطيطية تهدف إلى خدمة المشروع الاستيطاني وفرض وقائع دائمة على الأرض.

وهذه المشاريع لا يمكن توصيفها كأعمال بنية تحتية مدنية، بل تندرج ضمن انتهاكات جسيمة لأحكام القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، لما تنطوي عليه من مصادرة غير مشروعة للأراضي، وتغيير قسري للواقع الجغرافي والديموغرافي.

فبموجب أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما المواد (49) و(53)، يُحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة أو تدمير ومصادرة الممتلكات الخاصة إلا لضرورات عسكرية حتمية ومؤقتة ، كما تؤكد لوائح لاهاي لعام 1907 على وجوب احترام الملكية الخاصة وعدم جواز مصادرتها ، إلا أن سياسات شق الطرق الاستيطانية تنتهك هذه المبادئ بشكل مباشر، إذ تُنفذ لخدمة المستوطنات غير القانونية، وبما يحقق منفعة حصرية لسكان الاحتلال.

ففي محيط القدس الشرقية، تكثّف سلطات الاحتلال تنفيذ شبكة من الطرق والأنفاق والجسور، بهدف إحكام العزل الجغرافي للمدينة عن محيطها الفلسطيني، في مخالفة صريحة لقرارات مجلس الأمن، لا سيما القرارين 242 و478، اللذين يؤكدان عدم جواز اكتساب الأرض بالقوة وبطلان جميع الإجراءات الرامية إلى تغيير وضع القدس القانوني.

ووفق إفادات رسمية صادرة عن محافظة القدس، فقد أقدمت سلطات الاحتلال على مصادرة مئات الدونمات من أراضي بلدات مخماس وجبع والرام، لشق طريق استيطاني بعرض يقارب 60 مترًا، يربط مستوطنات شمال القدس بالبنية التحتية الإسرائيلية، ما أدى إلى إغلاق مداخل رئيسية للبلدات الفلسطينية وإزالة منشآت قائمة، دون توفير أي ضمانات قانونية أو مسارات اعتراض فعّالة للسكان المتضررين.

وانتهاك مبدأ عدم التمييز وحرية الحركة

تُنشأ الطرق الاستيطانية وفق نظام فصل مروري واضح، يُخصص بموجبه استخدام الطرق للمستوطنين الإسرائيليين، في حين يُفرض على أبناء شعبنا الفلسطيني  استخدام مسارات أطول وأكثر خطورة، ما يشكّل انتهاكًا صارخًا لمبدأ عدم التمييز المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة (12) المتعلقة بحرية التنقل.

ويترتب على هذه السياسة تقييد ممنهج لحقوق أبناء شعبنا الفلسطيني  الأساسية، بما في ذلك الحق في العمل، والتعليم، والصحة، والوصول إلى الخدمات، وهو ما يرقى إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة.

كما وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى أن سلطات الاحتلال درست خلال عام 2025 أكثر من 107 مخططات هيكلية استيطانية، داخل حدود بلدية الاحتلال وخارجها، في دلالة واضحة على أن شق الطرق ليس إجراءً منفصلًا، بل جزء من سياسة دولة تهدف إلى دمج المستوطنات في الحيز الإسرائيلي وقطع التواصل الجغرافي الفلسطيني.

كما أعلنت بلدية الاحتلال عن نيتها تخصيص ميزانيات ضخمة لتوسيع شوارع مركزية شمال القدس، من بينها شارع 45، بما يؤدي إلى مصادرة مساحات إضافية من الأراضي الفلسطينية، في خرق واضح لواجبات دولة الاحتلال كسلطة قائمة بالاحتلال، والتي تفرض عليها إدارة الإقليم لمصلحة السكان المحميين، لا لمصلحة سكانها.

وقد باتت سلطات الاحتلال تعتمد على تشريعات داخلية، من بينها أوامر المصادرة لما يسمى “الصالح العام”، للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، دون توفير ضمانات المحاكمة العادلة أو حق الاعتراض الفعلي، في مخالفة للمادة (46) من لوائح لاهاي.

وقد أدت هذه السياسات إلى مصادرة ما يقارب 4% من مساحة الضفة الغربية لصالح شبكة الطرق الاستيطانية، واقتلاع آلاف الأشجار، وتدمير مصادر رزق أبناء شعبنا الفلسطيني.

كما أن هذه المشاريع تندرج ضمن سياق تراكمي من الانتهاكات، سبق أن تجسدت في شوارع استيطانية مثل 443 و446 و1 و6، التي أسهمت في تقطيع أوصال الضفة الغربية وعزل التجمعات الفلسطينية، وربط المستوطنات الكبرى بالقدس وغور الأردن، بما يكرّس واقع الضم الزاحف المحظور بموجب القانون الدولي.

ختاماً إن مشاريع شقّ الطرق الاستيطانية لا تمثل خرقًا عابرًا لقواعد القانون الدولي، بل تشكّل سياسة دولة متكاملة الأركان، تهدف إلى إدامة الاحتلال وتحويله إلى واقع دائم غير قابل للعكس، عبر أدوات تخطيطية وبنيوية تُستخدم لفرض الضم الزاحف، وتقويض حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. إن استمرار هذه الانتهاكات، في ظل غياب المساءلة، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ويستدعي تفعيل فوري وفعّال لآليات المحاسبة الدولية، بما في ذلك مساءلة دولة الاحتلال عن انتهاكها الصريح لاتفاقيات جنيف وقرارات الشرعية الدولية، ووقف جميع أشكال الدعم المباشر أو غير المباشر للمشاريع المرتبطة بالاستيطان ، كما إن الصمت على هذه السياسات لا يرقى إلى الحياد، بل يُعد شكلًا من أشكال التواطؤ، ويقوّض منظومة القانون الدولي برمّتها، ويكرّس منطق القوة على حساب العدالة والحقوق غير القابلة للتصرف.

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة