بوابة صيدا ـ في مثل هذا الصباح من الأول من حزيران لعام 1987م (5 شوال 1407هـ)، حبس لبنان أنفاسه أمام واحدة من أبشع تصفيات رجال الدولة في القرن العشرين.
من فوق شاطئ حالات، دَوى انفجارٌ غادر لم يستهدف هيكل طوافة عسكرية فحسب، بل استهدف المقعد الخلفي لرئيس الوزراء "رشيد كرامي" ليرديه شهيداً في وضح النهار.
تفتح "بوابة صيدا" اليوم واحداً من أخطر الدفاتر في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية وأكثرها إيلاماً، لنروي لكم "حكاية الرشيد" واستشهاده، وكيف غيرت شظايا تلك العبوة مسار الحرب الأهلية اللبنانية..
ولد رشيد عبد الحميد كرامي في 30 كانون الأول/ديسمبر 1921م (1 جمادى الأولى 1340هـ) ونشأ في بيت سياسي عريق؛ فهو ابن "أفندي الشمال" رئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد كرامي.
تميز "الرشيد" بلقب "رجل الميثاقية"، وشغل منصب رئيس الوزراء 8 مرات بين عامي 1955 و1987، عاصر خلالها أزمات لبنان الكبرى وكان دائماً رجل التسويات والإنقاذ.
عُرف كرامي بتوجهه العربي والناصري، وكان مدافعاً شرساً عن عروبة لبنان وعن القضية الفلسطينية والمقاومة. في المقابل، كان مؤمناً بالصيغة اللبنانية والعيش المشترك، ويرفض مشاريع التقسيم أو "الفدرالية" التي نادت بها بعض الأطراف المسيحية إبان الحرب.
في الثمانينيات، قاد كرامي جبهة سياسية عريضة (جبهة الإنقاذ الوطني) عارضت بشدة اتفاق 17 أيار (1983) مع إسرائيل، وانسجمت مواقفه بالكامل مع دمشق لترسيخ عروبة لبنان ومنع سقوطه في المحور الإسرائيلي.
كانت حكومة كرامي (التي وُصفت بحكومة المصلحة الوطنية وتأسست عام 1984) تعيش شللاً تاماً بسبب مقاطعة كرامي والوزراء المسلمين لـ "قصر بعبدا" والرئيس أمين الجميّل، إثر الخلاف الحاد حول الصلاحيات والإصلاحات السياسية وعلاقة لبنان بسوريا.
وصل الكيل بكرامي حداً جعله يعلن استقالته على الهواء مباشرة في أيار/ مايو 1987م، رفضاً لواقع الميليشيات وانهيار الليرة اللبنانية، لكن الاستقالة لم تُقبل وظل يصرف الأعمال حتى لحظة اغتياله.
كان لبنان مقسماً أمنياً، غرب بيروت والمناطق الإسلامية والشمال تحت سيطرة القوات السورية والميليشيات المتحالفة معها، بينما كانت بيروت الشرقية والمناطق المسيحية تحت نفوذ مليشيا "القوات اللبنانية" والجيش اللبناني (الموالي تكتيكياً للرئيس الجميّل آنذاك).
في صباح يوم الاثنين 1 حزيران 1987م (5 شوال 1407هـ) غادر الرئيس رشيد كرامي منزله في طرابلس متوجهاً إلى بيروت لمتابعة شؤون الدولة. ونظراً لخطورة الطرق البرية كان المسؤولون يتنقلون بواسطة طوافات عسكرية تابعة للجيش اللبناني.
استقل كرامي مروحية عسكرية من طراز "بوما" (Puma) تابعة لسلاح الجو في الجيش اللبناني، أقلعت من قاعدة القليعات (شمالاً) وهبطت في معرض طرابلس لتأخذه صَوْب العاصمة.
أثناء تحليق المروحية فوق منطقة "حالات - عمشيت" (وهي منطقة كانت تقع تحت نفوذ "القوات اللبنانية" العسكري)، دَوى انفجار موجه بدقة داخل مقصورة الطائرة.
تبيّن لاحقاً أن العبوة المتفجرة (وهي من مادة البينتريت شديدة الانفجار) لم تكن مزروعة في هيكل الطائرة الخارجي، بل وضعت بدقة متناهية خلف مسند المقعد الذي يجلس عليه الرئيس كرامي مباشرة، وتم تفجيرها لاسلكياً (عن بُعد).
أدى الانفجار إلى تمزيق جسد الرئيس كرامي ووفاته فوراً، بينما نجح قائد الطائرة الذي أصيب بجروح في الهبوط بالهليكوبتر المتضررة على الأرض بأعجوبة، مما حال دون مقتل بقية الركاب (ومن بينهم وزير الداخلية آنذاك عبد الله الراسي الذي أصيب بجروح).
منذ اللحظات الأولى، وُجّهت أصابع الاتهام إلى حزب "القوات اللبنانية" (الذي كان يقوده الدكتور سمير جعجع)، نظراً لأن المروحية كانت تقبع في قواعد عسكرية تخضع لنفوذهم، ولأن مواقف كرامي السياسية والعروبية كانت على نقيض تام مع مشروع القوات آنذاك.
بعد انتهاء الحرب الأهلية وتطبيق اتفاق الطائف، فُتح ملف الاغتيال رسمياً. وفي عام 1994، أصدر المجلس العدلي (أعلى سلطة قضائية في لبنان) حكماً بالإدانة بحق قائد القوات اللبنانية "سمير جعجع" وعدد من الكوادر، بتهمة التخطيط والتحريض على اغتيال الرئيس كرامي، وحُكم على جعجع بالإعدام قبل أن يُخفف الحكم إلى السجن المؤبد.
أمضى "سمير جعجع" 11 عاماً في السجن تحت الأرض في وزارة الدفاع، حتى صدر عقب خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005 قانون عفو عام من مجلس النواب أطلق بموجبه سراحه.
كان كرامي يمثل السد المنيع أمام مشاريع التقسيم، واغتياله كان محاولة لخلط الأوراق وإزاحة القائد السُنّي الأقوى والمتحالف مع سوريا لتغيير موازين القوى الداخلية.
عمق الاغتيال الشرخ الإسلامي - المسيحي، وقضى على أي أمل لتسوية سياسية داخلية قريبة، مما مهد الطريق لاحقاً لولادة "حكومتين" متنازعتين (حكومة سليم الحص وحكومة ميشال عون العسكرية عام 1988م)، ودخول لبنان في الفصل الأخطر من الحرب قبل الانتهاء باتفاق الطائف.
ـــــــــــــــ
إقرأ أيضاًُ
اندلاع حرب الجبل بين الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية.. وسقوط مئات القتلى والجرحى..
اغتيال رئيس وزراء لبنان رياض الصلح في عمّان وذلك إنتقامًا لإعدام أنطون سعادة