بوابة صيدا
في مثل هذا اليوم، السابع والعشرين من ايار / مايو 1832م (27 ذي الحجة 1247هـ) كُتب فصلٌ من فصول العسكرية الإقليمية، وصُنع حدثٌ غيّر خارطة الشرق الأوسط إلى الأبد.
هنا، وعلى مقربة من ساحلنا، انحنت "عكا" الحصينة ـ التي أذلت نابليون بونابرت من قبل ـ أمام زحف الجيش المصري وعبقرية قائده الفذ إبراهيم باشا.
تعيد "بوابة صيدا" اليوم فتح الدفاتر المنسية لعام 1832م لنروي لكم كيف تحولت ذريعة الفلاحين الفارين إلى أعظم زحف عسكري عربي في التاريخ الحديث، وكيف تهاوت حصون العثمانيين لتفتح الطريق أمام الراية المصرية لتهدد عاصمة الخلافة إسطنبول"
شارك محمد علي بجيشه وأسطوله بطلب من السلطان العثماني محمود الثاني في حرب المورّة (اليونان) وتكبد خسائر فادحة. وكان السلطان قد وعده بمنحه ولاية الشام كتعويض، لكنه نكث بوعده وعرض عليه ولاية "كريت" المتمردة والفقيرة، فشعر محمد علي بالخديعة.
و كان محمد علي يرى الشام امتداداً طبيعياً وأمنياً لمصر من جهة الشمال (الدفاع الاستراتيجي)، ومصدراً رئيسياً للأخشاب لبناء أسطوله البحري، بالإضافة إلى رغبته في السيطرة على طرق التجارة وتجنيد شباب الشام لخدمة مشروعه التوسعي.
استغل محمد علي هروب آلاف الفلاحين المصريين إلى عكا هرباً من التجنيد والضرائب، ورفض والي عكا (عبد الله باشا) إعادتهم بحجة أنهم "رعايا عثمانيون يحق لهم العيش في أي مكان بالدولة" فكانت هذه الشرارة التي انتظرها محمد علي لإطلاق حملته في أواخر عام 1831.
انطلقت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا (ابن محمد علي) في 29 تشرين الأول / أكتوبر 1831م (23 جمادى الأولى 1247هـ) وقدرت قوتها بحدود 30 ألف مقاتل مع عمارة حربية تقارب 35 سفينة حربية وسفن إمداد.
تحركت القوات البرية باتجاه سيناء فبلغت العريش واحتلت خان يونس ثم غزة ويافا وحيفا في 8 تشرين الثاني / نوفمبر 1831م (3 جمادى الآخرة 1247هـ)، وفي 26 تشرين الثاني / نوفمبر 1831م (21 جمادى الآخرة 1247هـ) ضرب حصاراً برياً وبحرياً محكماً على "عكا" المدينة التي استعصت سابقاً على نابليون بونابرت.
دام حصار عكا أكثر من 6 أشهر، صمدت خلالها حاميتها العثمانية بانتظار إمدادات من إسطنبول.
استغل ابراهيم باشا الحصار القائم في احتلال المواقع المهمة في ولاية صيدا (وقاعدتها يومذاك عكا) وما حولها، فاحتلت قوة من جنوده صور وصيدا وبيروت وطرابلس، واحتلت قوة أخرى القدس.
فحشدت الدولة العثمانية جيشاً من عشرين ألفاً بقيادة عثمان باشا، وانتصر إبراهيم باشا على الجيش العثماني في معركة الزرّاعة بين حمص وبعلبك في 14 نيسان / أبريل 1832م (14 ذو القعدة 1247هـ).
في صباح 27 ايار / مايو 1832م (27 ذي الحجة 1247هـ) بعد قصف مدفعي مكثف ومركز أحدث ثغرات في الأسوار العتيقة لعكا، أصدر إبراهيم باشا أوامره باقتحام المدينة، و قاد الهجوم بنفسه في مواجهة شرسة داخل الأزقة، وانتهى اليوم باستسلام والي عكا عبد الله باشا، ورفع العلم المصري فوق أسوار المدينة الحصينة.
بعد احتلال عكا، تابع السير، فاحتل دمشق في 16 حزيران/ يونيو 1832م (18 محرم 1248هـ) وجعلها مقر حكومة أبيه في الشام، ثم انتصر ثانية عند حمص على طلائع الجيش العثماني، ودخل حمص وحماة. وزحف على المواقع العثمانية في مضيق بيلان حيث تحصن حسين باشا قائد الجيش العثماني، وهناك وقعت المعركة الحاسمة بين إبراهيم باشا وحسين باشا في 30 تموز /يوليو 1832م (3 ربيع الأول 1248هـ).
انتهت المعركة بهزيمة منكرة للجيش العثماني وقائده حسين باشا الذي هرب على إثرها، ومضى إبراهيم في الزحف فاحتل الإسكندرونة وبانياس وسُلمت له أنطاكية واللاذقية، ولم يلبث أن احتل أضنة وأورفة وعينتاب ومرعش وقيصرية، وانتصر في قونية على الجيش العثماني وأسر قائده الصدر الأعظم رشيد باشا، وغدا الطريق إلى العاصمة اسطنبول مفتوحاً أمام قوات محمد علي بفضل تفوق الجيش المصري ومستواه العسكري الممتاز، ولما وصل إبراهيم "كوتاهية" في أيار/ مايو 1833م تلقى أمراً من أبيه بالتوقف، لتهديد الدول الأوربية بالتدخل.
اضطر السلطان العثماني في عام 1833م تحت وطأة التهديد المصري والاستنجاد بروسيا، إلى توقيع اتفاقية "كوتاهية" منح بموجبها محمد علي حكم مصر، الشام، الحجاز، وكريت، وتعيين إبراهيم باشا حاكماً على أدنة.
أثبتت الحملة أن محمد علي كان قادراً على إسقاط "الخليفة العثماني" وإعلان الاستقلال الكامل لمصر، لكن هذا الصعود المرعب لقوة عربية فتية في شرق المتوسط أفزع الدول الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا) وتدخلت هذه الدول عسكرياً ودبلوماسياً لاحقاً في "معاهدة لندن 1840" لإجبار محمد علي على الانسحاب من الشام وتقليص جيشه، حمايةً للتوازن الدولي.
ــــــــــــ
إقرأ ايضاً
الإعلان عن تشكيل حكومة كشمير الحرة.. و فرار المهراجا الهندوسي حاكم كشمير إلى الهند
بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..