د. طالب محمود قرة أحمد ـ بوابة صيدا
قلعة صيدا البرية، وتُسمى أيضاً قلعة لويس التاسع، أو القديس لويس وقلعة البر.
مبنية على ربوة تعلو عن البلدة خمسة وأربعين متراً، في الجهة الجنوبية من المدينة. وهي قائمة على طبقات من الردم مؤلف من بقايا أصداف الموريكس الذي يُستخرج منه الصباغ الأرجواني. وبقايا هذه الأصداف لا تزال ظاهرة في الجهة الجنوبية من القلعة بجانب البحر.
ويقول منير خوري: أنها قلعة قديمة طبيعية تعود إلى العصور الفينيقية الأولى وقام بترميمها اليونان والرومان والعرب وأقاموا فيها مراكز للمراقبة والدفاع وأشهر من تولى ترميمها وتحصينها لويس التاسع ملك فرنسا الذي أقام فيها بين سنتي 1250 و 1254م وترك للفرسان الهيكليين أمر حمايتها.
أما أحمد عارف الزين فيقول: أن المسيحيين يسمونها قلعة القديس لويس، لأنهم ينسبون بناءها الأخير له. ويظن ادوارد روبنصون أن لويس التاسع شيدها في العام 1253م. ويرى أن بناءها الحالي عائد إلى الصليبيين، كذلك السيد عبد العزيز سالم، وأنها أُقيمت في موضع جبانة صيدون القديمة.
ويقول السيد عبد العزيز سالم أن الذي بناها هو لويس التاسع أثناء فترة إقامته بعكا وصيدا فيما بين 13 أيار سنة 1250م إلى 24 نيسان سنة 1254م. وقد تعرضت القلعة للتدمير خاصة على يد الأمير علم الدين سنجر الشجاعي في سنة 1291م. وقام الأمير فخر الدين المعني الثاني في القرن السابع عشر الميلادي بترميمها.
وينقل عبد العزيز سالم عن البطريرك اسطفانوس الدويهي فيقول: وللقلعة سور شكله شكل القوس، نصف دائري. قطره لجهة المدينة ووجه القوس لجهة الجنوب، والقلعة عبارة عن برج يُشكل القسم الأكبر منها، طوله 117 متراً، وعرضه 140 متراً، وسمك جدرانه 1,50 متراً ويحمي الجدارين الشمالي والشرقي أربعة منافذ للسهام.
وقد أُجريت حول القلعة من جهتيها الجنوبية والشرقية حفريات بين سنة 1914م وسنة 1920م قام بها كل من مكريد بك والدكتور Conteneau للوصول إلى المدينة القديمة المطمورة بين الأنقاض.
ففي عام 1913م وقعت اتفاقية بين السلطات العثمانية والدولة الفرنسية شملت حرية التفتيش عن الآثار في مدينة صيدا. وترأس الحملة جورج كونتينو، وحال وصوله إلى مدينة صيدا بدأ الحفر في خندق داخل القلعة البرية، واكتشف بعض اللقى الأثرية العائدة إلى الألفين الثاني والأول قبل الميلاد.
توقفت الحفريات عام 1914م بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى ومن ثم عادت البعثة للتنقيب في العام 1920م، من خلال فتح عدة مواقع جديدة وحُفر على أطراف القلعة، عُثر من خلالها على بقايا بناء، ولم يعثر على أي شيئ يُذكر في هذا السياق، بالرغم من بلوغ بعض الحُفر عمق ثمانية أمتار وخمسة أمتار ونصف وواحدة عند عمق عشرة أمتار وأخرى على عمق سبعة أمتار. وقد عُثر في كل هذه الحفر مجتمعة على بقايا فخارية عائدة للألف الثاني قبل الميلاد وبداية الألف الأول.
وفي حفرة على عمق أحد عشر متراً عُثر على جرار رومانية وبعض التماثيل من النمط اليوناني وفخار محلي الصنع يعود إلى الألف الأول قبل الميلاد.
وعُثر أيضاً على مدمعة من النمط المصري ولم يُعثر على أي شيئ آخر .
وفي الخندق (ف) الذي كان بطول 14 متراً وعرض ستة أمتار ونصف عُثر على جدار ينحدر نحو زنزانات وتوقف الحفر على عمق سبعة أمتار بعد أن جُمعت الأتربة وأصبحت تُشكل خطراً على الموقع.
وفي الخندق (ث) والذي كان بطول عشرة أمتار وعرض أربعة أمتار حيث يضيق في عرضه أكثر من ذلك، اكتشف حائط على عمق مترين مبني من حجارة بسماكة متر وعشرين سنتم بمواجهة جنوب غرب وشمال غرب هذا الجدار، هو جزء من بناء داخلي. ووُجدت في الموقع بقايا آثار تعود إلى الفترة اليونانية - الرومانية. وقد توقف الحفر في الموقع على عمق ثمانية أمتار.
وفي الحفرة (ج) والتي كانت واقعة بين جدارين عُثر على تماثيل من العاج تعود إلى الحقبة اليونانية الرومانية. وعُثر أيضاً على مغزل في بالوعة ماء من النمط عينه. وتوقف الحفر على عمق سبعة أمتار ونصف .
وفي الحفرتين (ب) و (ت) تم العثور على خندق تحت الأرض بطول ثمانية وعشرون متراً تقريباً يصل بين البرجين في القلعة. وعُثر على بقايا عواميد رخامية .
أما في الحفرة (ش) والتي كانت بمحاذاة طريق ضيق على جانب القلعة، عُثر على عمود من الرخام شبيه بعمود آخر عُثر عليه أمام الباب الأمامي لمنزل في الجهة الغربية للمدينة. وتوقف كونتينو عند هذا الحد من الإكتشافات.

حفريات "دوناند" في الأعوام 1939 ، 1942 ، و 1964 و 1965م .
خندق عميق حُفر في أرضية السور الجنوبي الغاية منه التخلص من الركام والحجارة التي تكونت بفعل الحفريات المتواصلة، عُثر من خلاله على منحدر قريب من الشاطئ، فاستمر الحفر إلى عمق لا بأس به حتى وصل الخندق إلى قرب الشاطئ. وأثناء الحفر عُثر على بعض الآثار الرومانية. وبعض اللقى العائدة إلى العصر الهيلينستي، وعلى بقايا فخاريات من العصر الآتيكي (الألف الخامس قبل الميلاد).
ولعبت الصدفة دوراً في اكتشاف قبرين لطفلين عائدين لفترة الهكسوس وذلك في نهاية الخندق الموازي لعمق القلعة. ولم يُعثر على لقى تعود إلى العصر الحديدي أو إلى العصر البرونزي. وفي المنحدر الجنوبي تم العثور على بقايا من العصر العربي، والروماني والبيزنطي واليوناني.
وفي عام 1970م قام الباحث "كالايان" بحفرة جديدة داخل القلعة ولكن من دون نتائج تُذكر سوى العثور على بعض البقايا اليونانية في الطبقات السفلى وبقايا من العصور الوسطى. ولكن غاية المنقب "كالايان" كانت التأكد من أن القلعة اُنشئت على مسرح روماني. ولكن لم يتم التأكد من ذلك. وتم العثور على بعض المنحوتات ومن ضمنها تمثال "فينوس" وهو موجود في المتحف الوطني في بيروت .
وفي العام 1998م توقف الحفر نهائياً بحيث أننا نلاحظ أن الفوضى تلف القلعة من كل جوانبها لا سيما في الحُفر التي اُهملت، ثم الردم الذي أُلقي إلى جنوبي شرق حائط القلعة والذي ساهم بطريقة غير مباشرة في المحافظة على هذا الجدار وحمايته من الإنهيار.
ـــــــــــ
إقرأ أيضاَ