عبد الباسط ترجمان ـ بوابة صيدا
ربما يظن البعض أن ما قامت به دولة الاحتلال الإسرائيلي وما تزال من إبادة جماعية في غزة و الضفة و لبنان وقتل المدنيين في سوريا واليمن، وإيران، وقطر، هو رد فعل على هجوم 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، وأن ما شهدته من إهانة على يد المجاهدين في غزة برر لها ارتكاب المجازر، من قتل للأطفال والنساء والشيوخ، وحتى الحيوانات.. وتدمير كل مقومات الحياة من الحجر والشجر..
لا، إن منهج القتل والإبادة، هو من صميم عقيدة القوم، وأن ما يجري اليوم من إبادة بشرية وحيوانية، وبنيانية، قام بها أنبياء بني إسرائيل سابقاً، بوحي "مزعوم" من الله تعالى.. كما ورد في كتابهم المقدس..
لذلك، لا بد من الإضاءة على هذه العقيدة الإجرامية التي يتعبد بها هؤلاء "ربهم" حتى يتضح للجميع أن ما تقوم به هذه الدولة "اللقيطة" إنما هي حرب دينية، لاستئصال العرب والمسلمين، ثم الانقضاض على الشعوب الأخرى..
لقد ذكرتُ في مقال سابق بعنوان: "تحطيم الأطفال.. ونهب البيوت.. وفضح النساء" نصاً واحداً عن جرائم النبي "إشعيا" بأمر من "رب اليهود" بحق الأطفال والنساء.. واليوم لي وقفة مع نبي آخر من أنبياء بني إسرائيل، يصوره الكتاب المقدس، كـ: مجرم، قاتل، سفاح، يقتل النساء والأطفال، وحتى الحيوانات..
نعم، ولماذا تستغرب؟ إذا كان رب اليهود مجرماً بنص كتابهم المقدس، فكيف سيكون أنبياء هذا الرب؟
إنه "يشوع" توراتياً، و "يوشع بن نون" إسلاميا..
جاء في سفر يشوع 6: 17.. عندما دخلوا "أريحا": "فَتَكُونُ الْمَدِينَةُ وَكُلُّ مَا فِيهَا مُحَرَّمًا لِلرَّبِّ (أي مخصّصًا له ولا يجوز لأحد أن يقتني منها شيئًا)... وَصَعِدَ الشَّعْبُ إِلَى الْمَدِينَةِ كُلُّ رَجُل مَعَ وَجْهِهِ، وَأَخَذُوا الْمَدِينَةَ. 21 وَحَرَّمُوا (اي قتلوا) كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ".
وفي نفس السفر 8/ 1.. فَقَالَ الرَّبُّ لِيَشُوعَ: "لاَ تَخَفْ وَلاَ تَرْتَعِبْ. خُذْ مَعَكَ جَمِيعَ رِجَالِ الْحَرْبِ، وَقُمِ اصْعَدْ إِلَى عَايَ. انْظُرْ. قَدْ دَفَعْتُ بِيَدِكَ مَلِكَ عَايٍ وَشَعْبَهُ وَمَدِينَتَهُ وَأَرْضَهُ، 2 فَتَفْعَلُ بِعَايٍ وَمَلِكِهَا كَمَا فَعَلْتَ بِأَرِيحَا وَمَلِكِهَا. غَيْرَ أَنَّ غَنِيمَتَهَا وَبَهَائِمَهَا تَنْهَبُونَهَا لِنُفُوسِكُمُ.... 24 وَكَانَ لَمَّا انْتَهَى إِسْرَائِيلُ مِنْ قَتْلِ جَمِيعِ سُكَّانِ عَايٍ فِي الْحَقْلِ فِي الْبَرِّيَّةِ حَيْثُ لَحِقُوهُمْ وَسَقَطُوا جَمِيعًا بِحَدِّ السَّيْفِ حَتَّى فَنُوا، أَنَّ جَمِيعَ إِسْرَائِيلَ رَجَعَ إِلَى عَايٍ وَضَرَبُوهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. 25 فَكَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ سَقَطُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنْ رِجَال وَنِسَاءٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، جَمِيعُ أَهْلِ عَايٍ".
وهذا فعله ايضا يشوع بأمر الرب بـ "مَقيدة، لبنة، لخيش، عجلون، حبرون، دبير، وحاصور" و " كُلَّ أَرْضِ الْجَبَلِ وَالْجَنُوبِ وَالسَّهْلِ وَالسُّفُوحِ وَكُلَّ مُلُوكِهَا. لَمْ يُبْقِ شَارِدًا، بَلْ حَرَّمَ كُلَّ نَسَمَةٍ كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ. 41 فَضَرَبَهُمْ يَشُوعُ مِنْ قَادَشَ بَرْنِيعَ إِلَى غَزَّةَ وَجَمِيعَ أَرْضِ جُوشِنَ إِلَى جِبْعُونَ".
هذا نص من نصوص الكتاب المقدس، من "يهوه (يهوه هو الاسم التوراتي للإله في الديانة اليهودية) المُتحلي بمعالم وملامح إله الحرب القاسي الذي لا يرحم، يأمر أتباعه ألاَّ يرأفوا بالأطفال ولا بالنساء ولا حتى بالحيوانات" كما يقول "زينون كوسيدوفسكي" في "الأسطورة والحقيقة في القصص التوراتية ص 186"..
ولنستعرض ما قاله بعض علماء اليهود حول هذا النص (وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ رَجُل وَامْرَأَةٍ، مِنْ طِفْل وَشَيْخٍ، حَتَّى الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْحَمِيرَ بِحَدِّ السَّيْفِ)
راشي "رابي شلومو يتسحاقي" (1040م ـ 1105م): [تُعد إسهاماته الأهم بين اليهود الإشكناز في دراسة التوراة. اشتهر بكتابة تفسير شامل للتلمود، بالإضافة إلى تفسير شامل للتاناخ] رأى "أن التحريم كان أمرًا إلهيًا مباشرًا، لا يُناقش، وأن أريحا كانت مدينة غارقة في الوثنية والفساد، لذا وجب تطهيرها بالكامل..."
وعن شمولية الإهلاك (من رجل وامرأة... حتى البقر والغنم والحمير) يوضح راشي أن هذا التدمير لم يكن لأسباب عسكرية فقط، بل كجزء من وصية الإبادة التي أمر الله بها في ما يخص الأمم الكنعانية. حتى البهائم لم تُستبق، لكي لا يُقال إن بني إسرائيل أخذوا منها غنائم لأنفسهم، بل لتأكيد أن كل ما في المدينة كان (مقدس للإهلاك) لله.
ابن عزرا "إبراهيم بن مئير ابن عزرا ويعرف باللغات الأوروبية يعرف بأبنيزرا" (1092م و1167م ) وهو واحد من أكثر علماء اليهود وأدبائهم شهرة في العصور الوسطى، أشار إلى أن "التحريم كان استثناءً وليس قاعدة، وأنه لا يُطبّق في كل الحروب، بل فقط في المدن التي يُعلن الرب تحريمها".
موسى بن نحمان (يُعرف بن نحمان باللغة العبرية أيضاً بالاسم المختصر (رمبان 1194م ـ 1270م) باحث وحاخام سفارديمي وفيلسوف ومفسر توراتي)، يتحدث عن أن هذا كان عقابًا لسكان أريحا بسبب شرورهم ورفضهم السلام.
راشي وابن عزرا و بن نحمان، فسّروا التحريم على أنه أمر إلهي لا يُناقش، هدفه حماية بني إسرائيل من التأثر بثقافة الكنعانيين الوثنية. ورأوا أن إبادة الأطفال والدواب ليست قسوة، بل ضرورة روحية لتأسيس شعب نقي، خالص لله.
وهنا لنا أن نتساءل:
هل يمكن لنص مقدس أن يُبرّر قتل الأطفال؟
هل الطاعة لله تعني تجاوز الرحمة؟
كيف يُعلّم هذا النص لمن يؤمن بالكتاب المقدس، من أطفال ورجال ونساء، دون تحريض على العنف والقتل؟
ولنلقِ نظرة على ما كتبه علماء اليهود المعاصرين عن هذا النص:
م. ويجمان في مقاله: يشوع 6: 15–21: استكشاف المعنى العميق للتحريم (“Joshua 6:15-21: Exploring the Deeper Meaning of the Herem”: يبحث في النص ويُبيّن أن استخدام “الحدّ بالسيف”، وتضمين النساء والأطفال في الأمر لها بعد رمزي وديني: أنها تُظهر أنّ الالتزام بأمر الرب لا يقبل التجزيء إذا كان الأمر بـ التحريم أي كل ما فيه من الشرور حسب المنظور التوراتي كان يُرى ككلّ لا يُجزّأ.
كذلك يُشير ويجمان إلى أن هذا النص يُستخدم لتعليم المؤمنين جدية الطاعة، وأنه تذكير بأن هناك أمورًا دينية لا تقبل المساومة، ضمن المفهوم التاريخي والديني.
ناحوم سارنا (باحث توراتي 1923 ـ 2005): فسّر النص في سياقه التاريخي، معتبرًا أن التحريم كان جزءًا من ثقافة الحرب في الشرق الأدنى القديم، حيث كانت الإبادة الكاملة تُمارس من قبل معظم الشعوب.
و أشار إلى أن النص لا يُعبّر بالضرورة عن رغبة إلهية دائمة، بل عن فهم بشري للقداسة والتمييز في تلك الحقبة.
ريتشارد إليوت فريدمان (عالم كتاب وأستاذ الدراسات اليهودية في جامعة جورجيا الأمريكية، حاصل على دكتوراة في الثيولوجيا (الدراسة المنهجية للطبيعة الإلهية والعقائد الدينية) في الكتاب العبري) رأى أن النص يُعبّر عن توتر بين الرحمة والعدالة الإلهية، وأنه يُظهر كيف فهم القدماء إرادة الله في سياقهم الثقافي.
و اعتبر أن إبادة المدينة كانت رمزية لتطهير الأرض من الشر، وليس دعوة للعنف.
فتفسير علماء اليهود لهذا النص يتراوح بين:
الطاعة المطلقة لأمر إلهي (في التفاسير التقليدية وبعض المعاصرين)
والقراءة الرمزية أو التاريخية (في التفاسير المعاصرة)
لكن الجميع يُجمع على أن النص يُعبّر عن لحظة مفصلية في تاريخ بني إسرائيل، حيث كان التحريم أداة لإعلان القداسة والانفصال عن الوثنية.
هذه الوحشية والإجرام المدونة في الكتاب المقدس، لاقت من يتبناها عند علماء النصارى ويبررها، فمثلاً، "بولس الفغالي" في كتاب "مسيرة الدخول. سِفرا يشوع والقضاة" يصف "يشوع" بالبطل، وأعماله بالبطولية.
والأغرب من كلام "الفغالي" ما جاء في تفسير الكتاب المقدس - الموسوعة الكنسية لتفسير العهد القديم: كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة من تبرير هذه الجرائم: "... وقد قصد الله قتل سكان أريحا من أجل شرورهم، وكذلك البهائم وكل الحيوانات لأنها استخدمت كذبائح للأوثان أو عبدوا بعضها... "..
و نجد أيضاً الدكتور القس "رضا ثابت" يبرر ولو بشكل غير مباشر جرائم يشوع، مع اعترافه بقسوتها، كما في كتاب "الحرب في سفر يشوع.. قراءة في ضوء نصوص الشرق الأدنى القديم ومواثيق حقوق الإنسان"
ولم أجد أدق من "اللورد بولينغبروك هنري سانت جورج" (1678-1751م) في انتقاده لهذا النص بقوله: "هل يُعقل أن يكون إله أبًا للناس كلهم، وفي الوقت نفسه يقود ذلك البربري المتوحش (يشوع) ويرافقه؟ إن أكثر آكلي لحوم البشر دموية يخجل أن يكون شبيهًا لابن نون (يشوع بن نون)! يا عظمة الله! لقد أتى من عمق الصحراء ليبيد مدينة غريبة ويقتل سكانها كلهم أو يذبح حيواناتها كلها ثم يحرق منازلها بما فيها، بينما هو لا يملك سقفًا يأوي تحته، ولم يرحم سوى قحبة نتنة خانت وطنها، واستحقت أن تُسام مرَّ العذاب (يقصد راحاب الزانية).. وعلى أي حال، لا يستطيع كتابة مثل هذه الأشياء سوى سكير نذل، ولا يصدقها سوى سكير أحمق نهش الغباء ما في جمجمته" (أورده ليوتاكسل - التوراة كتاب مقدَّس أم جمع من الأساطير ص 215).
ولكن، قبل أن أختم مقالي لا بد لي من الإضاءة على حقيقة هذا النبي المتهم بالإبادة الجماعية، يشوع أو يوشع بن نون عليه وعلى نبينا و على جميع الأنبياء السلام، إنه فتى نبي الله موسى، الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف، وهو النبي الغازي الذي فتح بيت المقدس وما حوله بعد وفاة موسى، وهو الذي أوقف الله له الشمس حتى فتح الله عليه..
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس لم تُحْبَسْ لبَشَرٍ إلا ليوشع لَيَاِلَي سافَرَ إلى بيت المقدس" [أحمد (2/ 325)، والحاكم (2/ 139)]
وفي رواية البخاري ومسلم: "... فَغَزَا فَدَنَا مِنَ القَرْيَةِ صَلاَةَ العَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ..." [البخاري (3124) و مسلم (1747)]
حدثتْ هذه المعجزةُ له عندما ذَهَب يوشع ومن معه لتَحريرِ بيتِ المَقدسِ من الجَبَّارينَ. وكان ذلك القتالُ يومَ الجُمُعة، وكادتِ الشمسُ تَغرُبُ، وتَدخُلُ ليلةُ السَّبتِ، فخاف يوشعُ عليه السلامُ أنْ يَعجزوا؛ لأنَّه في شَريعتِهم (شريعة بني إسرائيل) لا يحِلُّ لهم القِتالُ في يوم السبتِ، فدعا اللهَ ألَّا تغرُبَ فأمْسكَها اللهُ حتى دخَل بيتَ المقدسِ. وهذه فَضيلةِ ليُوشعَ بن نونٍ عليه السَّلامُ.
يوشع بن نون، عند المسلمين نبي كريم، وقائد مؤيد من إله عظيم "الله".. صاحب معجزة، وليس مجرماً قاتلاً للنساء، والأطفال، والشيوخ، والرضع، والحيوانات.. بل هو كما سائر الأنبياء، نبي هداية ورحمة.. ويكفيه فضلاً أنه تلميذ كليم الله موسى وفتاه، وصاحبه في السفر، وخليفته في النبوة..
أما يشوع، يصوره العهد القديم (كما نقلتُ لكم من سفر يشوع) سفاح، مجرم، متعطش للدماء، قاتل النساء والأطفال وحتى الحيوانات.. باسم "الرب إله الجنود" الذي أحب الانتقام من عبيده، فقتل حتى بهائمهم.. وكما يقول الدكتور "مصطفى محمود": "وجعلوا من الرب طاغوتًا دمويًا يستبيح لهم جميع الأمم"( التوراة ص 27).