بقلم: ليان الكرمي – كاتبة مستقلة وباحثة في الشؤون الفلسطينية والإقليمية ـ بوابة صيدا
بين أصوات الطائرات التي اعتادها في غزة وزقزقة العصافير التي بات يستيقظ عليها في باريس، مسافة لا تقاس بآلاف الكيلومترات فقط. بالنسبة إلى بسّام (اسم مستعار)، تختصر هذه المسافة رحلة بدأت بإصابة أفقدته ساقه، وفقدان والدته في الحرب، وانتهت، حتى الآن، بمقعد دراسي ومنحة جامعية وإقامة لعشر سنوات في فرنسا.
خلال الشهرين الماضيين، رافقتُ بسّام منذ وصوله إلى باريس. بدا أمامي شابًا قويًا ومتفائلًا، لكن عينيه كانتا تحملان قصة أخرى؛ ذاكرة مثقلة بصور الحرب والفقد، يقابلها إصرار واضح على ألا يتوقف ما تبقى من حياته عند ما حدث له في غزة.
لا يلجأ بسّام إلى العبارات المخففة حين يتحدث عن حياته هناك، ولا يقدم صورة رومانسية عن المكان الذي غادره. يقول: "الحياة هناك ليست حياة. غزة ساحة حرب ومقبرة، وفي ظل الواقع الحالي لا يوجد مستقبل هناك".
رحلته إلى فرنسا لم تبدأ بحلم الدراسة أو السفر، بل بمأساة. خلال الحرب، أصيب بسّام بجروح بالغة أدت إلى بتر ساقه. لكن الإصابة لم تكن خسارته الأكبر. يقول: "خسرت الكثير. قُتلت والدتي في قصف بينما كانت تحاول حمايتي. هذا هو الثمن الذي دفعته حتى أخرج".
كان الوصول إلى باريس نجاةً من الحرب، لكنه لم يكن نجاةً فورية من آثارها. في الأسابيع الأولى، وجد بسّام نفسه أمام عالم مختلف، حتى في أبسط تفاصيله. يقول: "لست معتادًا على الاستيقاظ على أصوات العصافير. سنوات حياتي كانت مرتبطة بأصوات الطائرات الحربية. عندما يكون المكان هادئًا جدًا، أجد نفسي أنتظر حدوث شيء سيئ".
حتى شعوره بوجود مؤسسات تقدم له الدعم والرعاية احتاج إلى وقت ليستوعبه. ويقول: "نحن في غزة لسنا معتادين على أن تحتضننا الحكومات أو تهتم بنا. يحتاج الإنسان إلى وقت ليتقبل فكرة أن هناك من يريد له فعلًا أن يكون بخير".
لكن بسّام لم يرد أن تتحول قصته إلى حكاية عن الحرب وحدها. فبالتوازي مع محاولته التأقلم نفسيًا واجتماعيًا، بدأ التركيز على مستقبله الأكاديمي والمهني. وصل إلى فرنسا بخلفية في إدارة الأعمال، وسرعان ما وجد نفسه أمام تحديات جديدة؛ تعلم اللغة، والتكيف مع ثقافة مختلفة، وفهم الإجراءات البيروقراطية، إلى جانب السعي إلى تطوير مؤهلاته بما يتناسب مع سوق العمل الأوروبية.
وجاءت نقطة التحول عندما حصل على منحة تتيح له مواصلة دراسته في إدارة الأعمال في باريس. بالنسبة إليه، لم تكن المنحة مجرد مساعدة مالية. يقول: "إنها فرصة لأثبت لنفسي أنني أستطيع أن أكون أكثر من مجرد ضحية حرب".
أما حصوله على تصريح إقامة لمدة عشر سنوات، فقد منحه شيئًا افتقده طويلًا: الشعور بالاستقرار والقدرة على التخطيط. يقول: "الآن أستطيع أن أحلم. أريد أن أنهي دراستي، وأن أؤسس عائلة، وأن أعيش ببساطة".
ورغم قسوة تجربته وغضبه من الواقع الذي عاشه في غزة، لا يغلق بسّام باب العودة إذا تغيرت الظروف يومًا. لكنه، في الوقت الراهن، يريد أن يصنع لنفسه هوية لا تختصرها الإصابة، ولا الحرب، ولا ما فقده تحت القصف.
من بين الركام إلى مقاعد الدراسة في باريس، لا يرى بسّام نفسه بطلًا بقدر ما يرى إنسانًا يحاول استعادة حق بدا يومًا بعيد المنال.
"أريد أن أعيش"، يقول في ختام حديثه، مضيفًا: "قد يبدو ذلك أمرًا بسيطًا، لكن بالنسبة لشخص قادم من غزة، فهذا أكبر طموح على الإطلاق".