رأي الموقع ـ خاص بوابة صيدا
في لحظة كان يفترض أن تتجه فيها الأنظار إلى نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ميشيغان، اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن ينقل المعركة إلى مساحة أكثر حساسية: "الهوية، الدين، الأسرة، وصورة «أميركا التي يريدها كل طرف»".
فبعد فوز الديمقراطي التقدمي عبد الرحمن محمد السيد بترشيح حزبه لمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، نشر ترمب صورة تجمعه بزوجته ميلانيا إلى جانب السيد وزوجته، ووضع فوق المقارنة عبارة: «Two VERY DIFFERENT America's» – « أمريكتان مختلفتان تماماً»، مع إبراز الاسم الكامل للسيد: Abdulrahman Mohamed El-Sayed. وقد جاء المنشور ضمن سلسلة هجمات شنها ترمب على المرشح الديمقراطي وزوجته.
وهنا لا تبدو الصورة مجرد منشور سياسي عابر، فهي محاولة لتحويل "الانتخابات في ميشيغان إلى رمز لصراع أوسع على تعريف الأميركي ومن يحق له أن يمثل أميركا".
الصورة كرسالة سياسية: من منافسة انتخابية إلى صراع هويات
الصورة تعتمد على تقنية سياسية وإعلامية شديدة البساطة والفاعلية: المقارنة البصرية.
في الجانب الأول يظهر ترمب وميلانيا في صورة رسمية وأنيقة، وفي الجانب الآخر يظهر السيد وزوجته في صورة شخصية داخل مطعم. ثم تأتي العبارة فوق الصورتين لتمنح المتلقي إطاراً تفسيرياً جاهزاً: هناك «أميركا» يمثلها ترمب، و«أميركا أخرى» يمثلها خصمه.
لكن اختيار صورة زوجية تحديداً مهم للغاية، لأن الهجوم لا يركز فقط على البرنامج السياسي للسيد، بل يحاول "إدخال حياته الشخصية والعائلية في المنافسة السياسية". وهذا ما وصفته تقارير اليوم بأنه انتقال من مهاجمة السياسي إلى مهاجمة العلاقة الزوجية نفسها.
والأكثر دلالة هو استخدام الاسم العربي الكامل للسيد بدلاً من الاسم السياسي المختصر الذي يُعرف به عادة، «عبدول السيد». هذا الاختيار يأتي في سياق أوسع سبق أن شهد استخدام الاسم الكامل في الهجمات الجمهورية على المرشح، وهو أسلوب أعاد إلى الواجهة الجدل القديم حول استخدام الاسم الأوسط للرئيس السابق باراك أوباما، «حسين»، لتسليط الضوء على خلفيته الإسلامية.
وهنا تصبح الرسالة الضمنية أقرب إلى:
ليس فقط «اختر بين مرشحين»، وإنما «اختر بين تصورين لأميركا».
لماذا عبد الرحمن السيد تحديداً؟
فوز السيد لم يكن فوزاً عادياً داخل الحزب الديمقراطي، فقد تغلب في الانتخابات التمهيدية على النائبة هالي ستيفنز بفارق ضئيل للغاية، نحو 48.5% مقابل 47.5%، في واحدة من أكثر المعارك أهمية داخل الحزب الديمقراطي في الولاية. وكان فوزه بمثابة انتصار للجناح التقدمي على المؤسسة الديمقراطية التقليدية.
السيد يخوض حملة ذات أجندة تقدمية تشمل، بحسب برنامجه الانتخابي، توسيع الرعاية الصحية، إصلاحات في النظام الصحي، مكافحة الاحتكار، وقضايا الإسكان والتعليم، كما اتخذ مواقف حادة بشأن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل والهجرة.
والأهم رمزياً أنه، في حال فوزه بالانتخابات العامة، يمكن أن يصبح "أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي".
لذلك فإن الهجوم عليه يسمح للجمهوريين بتحويل انتخابات ميشيغان إلى اختبار وطني: "هل تتجه الولايات المتحدة نحو مزيد من التعددية السياسية والدينية، أم نحو إعادة تأكيد الهوية المحافظة التقليدية؟"
تعبئة قاعدة ترمب
المنشور يخدم، على الأرجح، عدة أهداف سياسية في وقت واحد.
أولها تعبئة القاعدة المحافظة، فالرسالة لا تحتاج إلى شرح طويل للناخب المؤيد لترمب. يكفي وضع صورة ترمب وميلانيا بجانب السيد وزوجته، ثم عبارة «أميركا مختلفة جداً»، لكي يُترك للجمهور ملء الفراغات السياسية بنفسه.
وهذه آلية معروفة في الاتصال السياسي الشعبوي: "تقليل النقاش حول التفاصيل وزيادة التركيز على الانتماء والهوية".
ربط السيد باليسار التقدمي
ترمب لا يواجه فقط مرشحاً ديمقراطياً، بل يحاول تقديم السيد بوصفه رمزاً لجناح يساري يرى المحافظون أنه أصبح أكثر تأثيراً داخل الحزب الديمقراطي.
وبذلك يصبح السيد في الخطاب الجمهوري ممثلاً لمجموعة أكبر: التقدميون، اليسار الاقتصادي، المناهضون لبعض سياسات إسرائيل، المدافعون عن الهجرة، والمسلمون الأميركيون.
هذه الاستراتيجية قد تكون أكثر أهمية انتخابياً من الهجوم على السيد شخصياً، لأنها تسمح للجمهوريين بتكرار الرسالة نفسها في ولايات أخرى.
ماذا يعني ذلك للداخل الأميركي؟
الصورة تكشف بوضوح عن واحدة من أعمق مشكلات السياسة الأميركية المعاصرة: لم تعد الانتخابات تدور فقط حول الضرائب أو الاقتصاد أو الرعاية الصحية، بل حول تعريف المجتمع نفسه.
واللافت أن السيد نفسه حاول تحويل الهجوم إلى نقطة قوة.
ففي رده على ترمب عبر CNN، قال إن زواجه بزوجته يقوم على المحبة، وانتقد العلاقة بين ترمب وميلانيا، قائلاً إنهما يمثلان بالفعل «أميركا مختلفة».
وهكذا حدث ما قد يكون عكس ما أراده الهجوم أصلاً: ترمب أراد استخدام الصورة لتقويض السيد، بينما تمكن السيد من إعادة تفسير الصورة باعتبارها مقارنة بين قيمتين مختلفتين للحياة الأميركية.
الانتخابات النصفية تدخل مرحلة جديدة
المواجهة ستكون أكثر أهمية لأن السيد سيواجه في الانتخابات العامة الجمهوري "مايك روجرز"، في سباق يُنظر إليه باعتباره من السباقات المهمة للسيطرة على مجلس الشيوخ، وهنا تكمن المفارقة:
ترمب قد يساعد في "تعبئة المحافظين ضد السيد"، لكنه في الوقت نفسه قد يساعده على زيادة الحماس لدى الناخبين المسلمين والعرب والتقدميين والشباب وبعض الناخبين الذين يرون في الهجوم عليه استهدافاً للهوية أكثر منه نقداً لبرنامجه.
وبالتالي فإن السؤال الانتخابي لن يكون فقط: «هل يحب الناخبون برنامج عبد الرحمن السيد؟» بل قد يتحول إلى: «هل يريد الناخبون أميركا التي يصورها ترمب، أم أميركا متعددة الأديان والأعراق التي يرمز إليها السيد؟» وهذا فرق استراتيجي كبير.
البعد العربي والإسلامي: لماذا تتجاوز الصورة حدود ميشيغان؟
وجود اسم عربي ومسلم في قلب سباق انتخابي على مستوى الولايات المتحدة يجعل القضية قابلة للانتقال سريعاً من السياسة الأميركية الداخلية إلى المجال الدولي.
إذا استمر ترمب وحلفاؤه في ربط السيد بخلفيته الدينية أو العربية بدلاً من التركيز على سياساته، فقد تنظر قطاعات من الرأي العام العربي والإسلامي إلى الأمر باعتباره "اختباراً لمكانة المسلمين في الحياة السياسية الأميركية".
هل يمكن أن يؤثر ذلك على السياسة الخارجية الأميركية؟
بصورة مباشرة: لا يمكن استنتاج ذلك من منشور واحد، لكن بصورة غير مباشرة، يمكن أن يصبح للموضوع أثر إذا نجح السيد في تحويل هويته ومواقفه الخارجية إلى قضية انتخابية وطنية.
فالسيد يتخذ مواقف أكثر انتقاداً للدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، وهي من القضايا التي كانت بالفعل جزءاً من المعركة التمهيدية في ميشيغان. وفي حال فوزه في تشرين الثاني / نوفمبر، ستكون عضويته المحتملة في مجلس الشيوخ ذات أهمية خاصة في ملفات:
* السياسة الأميركية تجاه إسرائيل وفلسطين.
* المساعدات العسكرية الخارجية.
* العلاقات مع دول الشرق الأوسط.
* حقوق المسلمين الأميركيين.
* الهجرة.
* السياسة الأميركية تجاه الحروب والأزمات الدولية.
لكن من المهم التمييز بين "رمزية انتخاب أول مسلم في مجلس الشيوخ" وبين القدرة الفعلية على تغيير السياسة الخارجية، فعضو واحد في مجلس الشيوخ لا يستطيع بمفرده تغيير السياسة الأميركية.
مستوى المخاطر: أين يمكن أن تتجه الأمور؟
الخطر الأول: تصعيد الاستقطاب الديني
أخطر سيناريو هو أن تنتقل المنافسة من نقد أفكار السيد إلى تصويره باعتباره «مسؤولاً مسلماً» أو «ممثل الإسلام السياسي». وهذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة خطاب الكراهية ضد المسلمين والعرب الأميركيين، خصوصاً في البيئة الرقمية.
الخطر الثاني: تحويل الانتخابات إلى معركة هوية
كلما ابتعد النقاش عن الاقتصاد والرعاية الصحية والوظائف، أصبح من الصعب على الناخبين تقييم المرشحين بناءً على الأداء والسياسات.
الخطر الثالث: التضليل
الانتخابات ذات الطابع الهوياتي تكون بيئة مثالية للمعلومات المضللة، خصوصاً الصور المقتطعة، والاقتباسات خارج سياقها، والادعاءات غير الموثقة حول المرشح أو عائلته أو دينه.
الخطر الرابع: تأثير «التضخيم المتبادل»
الهجوم ثم الرد ثم الهجوم المضاد يصنع دورة إعلامية قد تكون مفيدة للطرفين من ناحية الوصول الجماهيري، لكنها تزيد الاستقطاب.
لكن هناك فرصة سياسية أيضاً
من ناحية أخرى، قد يؤدي الجدل إلى توسيع المشاركة السياسية بين فئات كانت تشعر بأن السياسة الأميركية لا تمثلها.
فوز السيد في الانتخابات التمهيدية أظهر بالفعل قدرة حملته على بناء تحالف تقدمي واسع، وبعد الفوز بدأت شخصيات ديمقراطية من التيار المعتدل في إظهار دعمها له في مواجهة الانتخابات العامة.
ومن هنا يمكن أن تتحول القضية من: «مسلم في مواجهة ترمب» إلى «مرشح أميركي له خلفية إسلامية في مواجهة رئيس أميركي حول مستقبل البلاد».
وهذا التحول مهم جداً، لأنه ينقل النقاش من الهوية وحدها إلى المواطنة والبرنامج السياسي.
الخلاصة، الصورة التي نشرها ترمب لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد سخرية من خصم انتخابي أو تعليقاً على زواج سياسيين، إنها محاولة لتقديم الانتخابات المقبلة باعتبارها اختياراً بين صورتين لأميركا.
ترمب يستخدم الصورة ليقول لأنصاره إن صعود عبد الرحمن السيد يمثل تحولاً أيديولوجياً وديموغرافياً لا يريده.
والسيد، من جانبه، يستطيع قلب الرسالة ليقول إن الصورة نفسها تعكس أميركا القديمة في مواجهة أميركا المتعددة التي أصبح المسلمون والعرب جزءاً طبيعياً من قيادتها السياسية.
ولهذا قد يكون أخطر ما في المنشور وأهم ما فيه في الوقت نفسه أنه لا يتحدث فعلياً عن عبد الرحمن السيد وحده، بل يتحدث عن السؤال الأكبر: من هو الأميركي الذي تستطيع أميركا أن تختاره لتمثيلها؟
وفوز السيد في الانتخابات التمهيدية بفارق نقطة تقريباً، ثم انتقال المواجهة إلى الانتخابات العامة، يجعلان ميشيغان واحدة من أهم ساحات اختبار هذا السؤال في انتخابات 2026.