• لبنان
  • الخميس, كانون الثاني 08, 2026
  • اخر تحديث الساعة : 9:42:34 م
inner-page-banner
مقالات

بين حرمة الموت وأعباء الحياة: صيدا تودع موتاها بأسعار "سياحية"!

بقلم عبد الباسط ترجمان ـ خاص بوابة صيدا

في الوقت الذي يئن فيه المواطن تحت وطأة ظروف معيشية قاسية، وتتسابق المؤسسات الخيرية لمحاولة التخفيف عن كاهل الأسر الفقيرة التي تُكافح لتأمين قوت يومها، صُدم الشارع الصيداوي بقرار مفتي المدينة ومدير أوقافها رفع سعر القبر المستعمل من 16 مليون ليرة إلى 35 مليوناً، بينما قفز سعر القبر الجديد إلى رقم خيالي بلغ 55 مليون ليرة لبنانية! وهو قرار لا يمس الأحياء فحسب، بل يمس كرامة الموتى وحق الفقير في مواراة موتاه دون أن يترك خلفه ديوناً تثقل كاهل ورثته.

وكأن الموت نفسه أصبح عبئًا جديدًا على الفقراء. و لم يعد السؤال اليوم عن لقمة العيش أو ثمن الدواء، بل عن ثمن القبر الذي يُفترض أن يكون الملاذ الأخير للإنسان. 

الموت لا ينبغي أن يكون تجارة، والقبور ليست سلعة. المطلوب اليوم يا "سماحة المفتي" شفافية في إدارة الأموال، ومراجعة جادة لملف الأوقاف الإسلامية، حتى لا يبقى الفقراء أسرى قرارات تزيدهم ألمًا فوق ألم. 

لا أحد يُنكر أن إدارة شؤون المقابر تحتاج إلى تنظيم ونفقات، وأن للأوقاف الإسلامية التزامات مالية وخدمية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء واحترام: هل كان رفع سعر القبر هو الحل الوحيد؟

وهل أُخذ بعين الاعتبار حال الفقراء، وهم الغالبية، ممن قد يعجزون عن تأمين تكلفة دفن موتاهم؟

المفتي، بصفته مرجعًا دينيًا، وبصفته مديرا للأوقاف في المدينة، كان الأجدر به أن يبحث عن حلول رحيمة، وأن يُفعّل دور الأوقاف التي وُجدت أصلًا لخدمة الناس، لا أن يُضيف عبئًا جديدًا على من لا يملكون سوى قوت يومهم. 

إننا، ومن باب التناصح والمحبة، نتوجه بكلمات هادئة ولكن صريحة إلى سماحة المفتي ودائرة الأوقاف في مدينتنا:

الموت.. ليس رفاهية!

إن القبر في إسلامنا هو "دار الحق"، وليس سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب أو التضخم الاقتصادي. عندما يرتفع سعر القبر في مدينة تغرق أطرافها في الفقر، فإننا نضع المواطن أمام مفارقة مؤلمة؛ فالحياة أصبحت باهظة الثمن، ويبدو أن الموت هو الآخر لم يعد "بالمجان" أو حتى بمقدور البسطاء.

هل أصبح "الستر" لمن استطاع إليه سبيلاً؟

عندما نتحدث عن 55 مليون ليرة لثمن قبر جديد، او عن 35 مليون ليرة لثمن قبر مستعمل فنحن نتحدث عن أضعاف الرواتب التي يتقاضاها الموظفون والعمال في صيدا (الحد الأدني يا سماحة المفتي 28 مليون ليرة) كيف يمكن لعائلة فقيرة أن تؤمن هذا المبلغ في لحظة فجيعة؟

إن القبر في شريعتنا وفي عُرف صيدا هو "ستر"، والستر لا يُباع ولا يُشترى بأسعار تفوق قدرة البشر، وإلا تحولت المقابر إلى طبقات اجتماعية، وهو ما يتنافى مع مساواة القبور.

سؤال الأمانة: إلى أين تذهب الأموال؟

من حق الشارع الصيداوي أن يتساءل في إطار من الشفافية: ما هي الجدوى من هذه الزيادة؟ وإلى أين سيتم توجيه هذه الموارد المالية الجديدة؟

إذا كانت الغاية هي تحسين الخدمات، فإن المواطن يرى أن صيانة المقابر وحرمتها واجب ديني وأخلاقي يسبق أي جباية مالية. الشفافية هنا ليست ترفاً، بل هي جسر الثقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع.

الأوقاف المهملة.. البديل المنسي

وهنا يبرز التساؤل الأهم: لماذا تلجأ دائرة الأوقاف إلى جيب المواطن الفقير، بينما تضم مدينتنا صيدا عشرات الأصول الوقفية المهملة؟ هناك أراضٍ ومبانٍ تابعة للأوقاف دون استثمار أو تنمية.

أليس من الأولى بدار الإفتاء والأوقاف أن تشكل لجنة لـ "إحياء الأوقاف المهملة" واستثمارها لصالح كفالة الموتى وبناء المقابر وتجهيزها، بدلاً من فرض رسوم تثقل كاهل من لا يجد ثمن كفنه؟

إن استغلال هذه العقارات والأراضي الضائعة كفيل بتغطية تكاليف المقابر، بل وتقديم خدمات إنسانية أخرى للمحتاجين.

ختاماً يا سماحة مفتي صيدا، ومدير اوقافها، إن دور المؤسسة الدينية هو أن تكون ملاذاً للمكلومين، لا مصدراً جديداً للقلق المادي. ودورها لا يقتصر على إصدار القرارات، بل يشمل استشعار آلام الناس، والبحث عن حلول عادلة ومتوازنة، تُراعي المقاصد الشرعية قبل الحسابات المالية. وقد كان من الأجدر بك فتح باب الحوار المجتمعي، أو تقديم بدائل، أو على الأقل وضع استثناءات واضحة للفقراء وأصحاب الدخل المحدود.

نأمل منك إعادة النظر في هذا القرار، وتغليب روح الشريعة التي قامت على "التيسير" و"التكافل"، والبحث عن موارد استثمارية بعيداً عن أجساد من رحلوا ودموع من بقوا.

فالموت حق، والستر حق، والفقر ليس جريمة يعاقب عليها الإنسان حتى وهو في طريقه إلى القبر.

بوابة صيدا

الكاتب

بوابة صيدا موقع إخباري متنوع ينطلق من مدينة صيدا ـ جنوب لبنان، ليغطي مساحة الوطن، والأمة العربية، والعالمين الإسلامي والغربي.. يقدم موقع (www.saidagate.com) خدمة إخبارية متنوعة تشمل الأخبار السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلامية، والمقالات المتنوعة.. تقوم سياسة الموقع على الحيادية، والرأي والرأي الآخر، يستقي الموقع أخباره، من تغطيته للأحداث، ومن وكالات الأنباء العربية والعالمية..

مدونات ذات صلة