مقال رأي لموقع «بوابة صيدا»
في كل عام، تعود إلى شواطئ البحر الأحمر فعالياتٌ تُسمَّى "مهرجاناً سينمائياً"، لكن ما يطفو على السطح ليس الأفلام ولا الرؤى الإخراجية ولا النصوص، بل فساتين لا تستُر شيئاً تقريباً، وفتحاتٌ تكشف ما لا ينبغي كشفه في مهرجان يُفترض أنه محترم.
"مهرجان الجونة"، في دورته الأخيرة، تحوَّل في نظر كثيرين إلى ما يشبه "مهرجاناً للأزياء أكثر مما هو مهرجان للأفلام". والسؤال الذي يفرض نفسه: أين الجوهر؟ وأين الرسالة؟ وأين الحياء؟
نعم، هناك أفلامٌ تُعرض، وورشٌ تُقام، ومنصاتٌ صناعية تُدعم. لكن الصورة التي تصل إلى الناس، وتُصنع عمداً لتصل إليهم، هي صورة السجادة الحمراء وقد تحوّلت إلى مسرحٍ للاستعراض الجسدي. تقول صحيفة الأهرام المصرية نفسها إن "البريق الخارجي بات يغلب على جوهر الفكرة"، وإن المهرجان "أصبح في نظر كثيرين مرآة للسطحية، يلمع فيها كل شيء عدا الفن نفسه". هذه ليست قراءةً من خصومٍ للفن، بل من مؤسسةٍ إعلاميةٍ رسميةٍ ترصد الظاهرة.
وأخطر ما في الأمر ليس مجرد الفستان هنا أو القصّة هناك. الأخطر هو السؤال: كيف سيكون هؤلاء قدوةً لبناتنا؟
أي قدوةٍ تُقدَّم لفتاةٍ صغيرة حين ترى امرأةً على غلاف المجلات، تُوصَف بأنها "فنانة"، وقد تعرّت إلا من بعض قماشٍ لا يكاد يستر؟ هل هذا هو النموذج الذي يُقال له "النجاح"؟ هل هذا هو الثمن الذي يُطلَب من الفتاة دفعه مقابل أن تُرى؟
ثم، أين مخافة الله في القلوب؟ ليس هذا سؤالاً عاطفياً، بل هو جوهر المسألة. فالله سبحانه يقول: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ} [الأحزاب: 33]. ويقول في سورة النور: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ...} [النور: 31]. وهذه ليست آياتٍ منسوخةً ولا أحكاماً متروكةً. وقد أجمع العلماء على أن "التبرج" ـ أي إظهار المحاسن والمفاتن للرجال الأجانب ـ محرَّمٌ بالكتاب والسنة والإجماع.
وأين رجالهن؟ أين الآباء والأزواج والإخوة والأبناء؟ ليس السؤال عن وصايةٍ على المرأة، بل عن غيرةٍ فُقدت في زمنٍ صار فيه عرض وشرف الأخت والابنة والأم والزوجة "عملاً فنياً".
فحين تظهر المرأة في "حضن رجل آخر" على الشاشة، أو في مشهدٍ يُقلّد الحرام، أو على سجادةٍ حمراء بملابس لا تترك للخيال شيئاً، فأين غيرة الرجل الذي يُفترض أنه يحميها؟ أين الرجولة التي كانت تغار على العرض قبل أن تغار على المال والشهرة؟
وماذا ستقول هذه الممثلة لأبنائها وأحفادها؟ تخيّل المشهد بعد ثلاثين عاماً: حفيدةٌ تفتح هاتفها، فتجد جدتها في فيديو قديم، تُوصَف فيه بأنها "أجرأ إطلالة" و"فستان شفاف" و"فتحة صدرٍ عميقة". أو تجد تصريحاً لها تُدافع فيه عن "الحرية" و"كسر التابوهات". ماذا ستقول لها؟ "هذا كان فنّاً"؟ وهل الفن يُقاس بمساحة الجسد المكشوف؟ وهل تصريح يدعو إلى ما يُسمَّى "الفسوق" و"الرذيلة" تحت مسمّى التحرر يمكن أن يُقدَّم كإرثٍ للأحفاد؟
ألا تستحي من نفسها؟ حين تشاهد المرأة نفسها في المرآة ـ لا في الشاشة ـ وتعرف أنها خرجت أمام الملايين بكامل زينتها لغير زوجها، ألا يهتزّ في قلبها شيء؟ ليس المطلوب أن تكون مثالية، لكن المطلوب على الأقل ألا يُقدَّم هذا كـ "قيمة" و"نجاح" و"فن".
وهل الفن أباح لهن كل هذا؟ لا. الفن بريءٌ من هذا العري. الفن الحقيقي هو ما قالته الأهرام نفسها عن كيت بلانشيت حين ظهرت في الجونة "بأناقة هادئة تُبهر دون أن تفتعل، جميلة دون مبالغة، أنيقة دون صخب". هذه امرأةٌ حائزة على الأوسكار، ومع ذلك لم تحتج إلى خلع ملابسها لتُحترم.
الفن ليس ذريعةً للانحدار. والذين يُدافعون عن "حرية الفن" عليهم أن يفسّروا: لماذا صار العري شرطاً للإبداع؟ ولماذا صارت السجادة الحمراء أهم من قاعة العرض؟
أما الاستشهاد بما يُقال ويُفعل في هذا المهرجان، فمنه ما يُظهر مدى الانفصال عن القيم.
في دورةٍ سابقة، تحدّثت إحدى الفنانات عن موقفٍ جمعها بمخرجٍ كبير، فقالت إنه دخل غرفتها دون استئذان، فردّت على اعتراض خالتها: "دا الأستاذ يعمل اللي هو عايزه". هذا التصريح، حتى لو قُصد به التبسيط أو الفكاهة، يكشف ثقافةً تُقدّس "الأستاذ" وتُسقط كل حرمة. وإذا كان هذا يُقال علناً وبكل هذه العفوية، فما بال ما يُفعَل في الخفاء؟
وفي دورةٍ أخرى، قالت فنانةٌ أخرى إنها لا تمانع أن "يأخذ الذكاء الاصطناعي دورها" وتجلس في البيت "تأخذ الفلوس". هذا ليس نقداً للفن بقدر ما هو اعترافٌ بأن المسألة مسألة مالٍ لا رسالة. فإذا كان هذا هو المنطق السائد، فلماذا نتعجّب من العري والانحدار؟
إلى أين سيصل بهن الانحدار الأخلاقي؟ الجواب: إلى حيث وصلت مجتمعاتٌ أخرى، ثم ندمت. إلى حيث تصبح الفتاة تُقاس بجسدها لا بعقلها، والزوجة تُقاس بجرأتها لا بحيائها، والأم تُقاس بشهرتها لا بتربيتها. وإلى حيث يصبح "الفن" صناعةً للشهوة، لا مرآةً للإنسان.
ليس المطلوب من مهرجان الجونة أن يُغلق، بل أن يعود إلى ما وُجد من أجله: السينما. وأن يُدرك القائمون عليه أن احترام الجمهور يبدأ باحترام الذات. وأن يعلموا أن الله يمهل ولا يهمل، وأن {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران 185]، وأن ما يُقدَّم في ليلةٍ واحدة على سجادةٍ حمراء قد يُنسى بعد عام، لكن ما يترتّب عليه من أثرٍ في القلوب والعقول يبقى، ويُسأل عنه صاحبه أمام الله أولاً، وأمام التاريخ ثانياً.
فيا من تُشرفون على هذا المهرجان، ويا من تشاركن فيه: اتقوا الله في أنفسكم، وفي بنات المسلمين، وفي كل عينٍ تراقب وتتعلّم. الفن رسالةٌ، والرسالة أمانة. فلا تخونوا الأمانة تحت ضوء الكاميرات.