بوابة صيدا
اعتبر الكاتب في صحيفة «يديعوت أحرونوت» "بن درور يميني" أن اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة يمثل خسارة استراتيجية كبيرة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة، لأنه يعكس تحوّلاً في حسابات دول المنطقة تجاه منظومة الأمن التي تقودها واشنطن، ويكشف في الوقت نفسه عن الثمن الذي تدفعه إسرائيل نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق تطبيع مع السعودية.
وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت في 7 آب/أغسطس الجاري «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الدول الثلاث مجتمعة. ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بأنه مشابه تقنياً للمادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع التأكيد أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أي دولة بعينها.
ويرى يميني أن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في البعد العسكري، وإنما في الرسالة السياسية التي تحملها الرياض وأنقرة وإسلام آباد.
فالسعودية، التي كانت لعقود تعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية، تبدو اليوم أكثر استعداداً لبناء شبكة أمنية إقليمية مستقلة، خصوصاً بعد التطورات الأمنية الأخيرة والهجمات الإيرانية التي طالت دولاً خليجية، وما رافقها من شكوك حول مدى قدرة الولايات المتحدة على توفير الحماية المطلوبة لحلفائها في المنطقة.
وبحسب هذا المنظور، فإن الاتفاق يعكس أيضاً "خيبة أمل خليجية من واشنطن"، بعدما لم تعد دول المنطقة مقتنعة بأن الاعتماد الكامل على القوة الأميركية هو الخيار الوحيد لضمان أمنها. لذلك تتجه الرياض إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، مستفيدة من قدرات تركيا العسكرية والصناعات الدفاعية المتطورة، ومن الوزن العسكري والاستراتيجي لباكستان، بما في ذلك قدراتها النووية.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فيرى يميني أن التطور يحمل دلالة أكثر حساسية، لأن السعودية كانت خلال السنوات الماضية محوراً رئيسياً للمساعي الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى توسيع دائرة التطبيع العربي مع إسرائيل. وكان يُنظر إلى انضمام الرياض إلى اتفاقات أبراهام، أو إلى اتفاق تطبيع سعودي ـ إسرائيلي، باعتباره "اختراقاً استراتيجياً ضخماً" يعيد رسم الشرق الأوسط لمصلحة واشنطن وتل أبيب.
لكن عدم تحقيق هذا التطبيع، وفق قراءة يميني، ساهم في ترك المجال أمام الرياض للبحث عن بدائل أمنية وسياسية خارج الإطار الأميركي-الإسرائيلي. ومع توقيع الاتفاق الثلاثي، أصبحت السعودية أمام خيار إقليمي جديد يجمعها بتركيا وباكستان، بدلاً من أن يكون أمنها الإقليمي مرتبطاً حصراً بالشراكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وتزداد أهمية الخطوة مع إعلان تركيا رغبتها في توسيع الاتفاق ليشمل دولاً أخرى، مع طرح مصر كإحدى الدول المحتملة للانضمام. كما يتضمن الاتفاق إنشاء لجان سياسية وعسكرية وأمانة في السعودية، والعمل على التدريب المشترك وتبادل المعلومات الاستخبارية واللوجستيات ورفع مستوى التنسيق العسكري.
ومع ذلك، لا يعني الاتفاق أن السعودية قطعت علاقاتها بالولايات المتحدة أو أنها دخلت في محور معادٍ لواشنطن. فالرياض وأنقرة وإسلام آباد نفسها تؤكد أن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة محددة، كما أن تفاصيل آليات التدخل العسكري المشترك لا تزال بحاجة إلى تطوير. وبالتالي فإن قيمته الحالية تكمن بدرجة كبيرة في الردع السياسي والاستراتيجي، وفي إظهار استعداد الدول الثلاث لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها الإقليمي.
وفي المحصلة، فإن القراءة التي يقدمها بن درور يميني تضع الاتفاق في إطار أوسع من مجرد تحالف عسكري. فهو، بالنسبة إليه، إشارة إلى تغير تدريجي في بنية الشرق الأوسط: تراجع احتكار الولايات المتحدة لترتيبات الأمن الإقليمي، وصعود قوى إقليمية مثل تركيا والسعودية وباكستان، وفي المقابل خسارة إسرائيل فرصة كانت تراهن عليها لتحويل التطبيع مع الرياض إلى حجر أساس في منظومة إقليمية جديدة تقودها واشنطن وتشارك فيها تل أبيب.
وبذلك، فإن عبارة يميني عن أن الاتفاق يمثل «خسارة كبيرة لإسرائيل والولايات المتحدة» لا تعني بالضرورة أن التحالف الثلاثي أصبح خصماً عسكرياً لهما، بل تعكس مخاوف إسرائيلية من أن تكون المنطقة قد بدأت تتحرك نحو نظام أمني أكثر استقلالاً عن واشنطن، وأقل ارتباطاً بإسرائيل، وهو بالضبط التطور الذي كانت إسرائيل تسعى إلى منعه من خلال تسريع مسار التطبيع مع السعودية.