بوابة صيدا
كان "سَلام بن مِشْكَم النَّضَرِيّ" سيداً من سادات يهود بني النضير في يثرب (المدينة المنورة)، ورجلاً مسموع الكلمة، ذا عقلٍ وفصاحةٍ وشعر، ومكانةٍ رفيعة في قومه، وكان زوجاً لـ "زينب بنت الحارث" (التي أهدت الشاة المسمومة للنبي صلى الله عليه وسلم لاحقاً في خيبر).
وقبل الهجرة والنبوة، كان بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة يتحكمون في التجارة والزراعة في يثرب، وكان سلام بن مشكم من أثرياء قومه وقادتهم الذين يُرجع إليهم في الرأي والمشورة أثناء الصراعات القبلية بين الأوس والخزرج.
موقف سلام بن مشكم بعد البعثة والهجرة النبوية
عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وكتب "وثيقة المدينة" لتنظيم العيش والتعايش بين المسلمين واليهود وسائر سكان المدينة، كان أحبار اليهود وقادتهم يعرفون أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم. وعلى الرغم من علم سلام بن مشكم بصدق نبي الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن الحسد والعصبية القومية دفعته لنكث العهود وتأجيج العداء.
كان سلام بن مشكم ممن آثروا الكبر والعناد، فلم يكتفِ بالامتناع عن الإيمان، بل سَخَّر مالَه ورأيه وشعره لمناهضة الدعوة الإسلامية وإشعال الفتن بين المسلمين وحلفائهم.
أبرز مواقفه ضد الإسلام والمسلمين
استضافة أبا سفيان وتزويده بالأخبار (غزوة السويق)
بعد هزيمة قريش في غزوة بدر، نذر أبا سفيان بن حرب ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو محمداً (صلى الله عليه وسلم). فخرج في مائتي راكب ونزل بليلةٍ عند "سلام بن مشكم" بالمدينة، فاستضافه سلام وسقاه الخمر وبسط له الحفاوة، وأطلعه على عورات المسلمين وأخبارهم وأحوال المدينة الميدانية. وخرج أبو سفيان بعدها ليتسبب في قتل رجلين من الأنصار وحرق بعض النخيل في منطقة "العريض"، وكانت هذه الحادثة مؤشراً صارخاً على خيانة عهود المواطنة بالمدينة.
نكث العهد وغزوة بني النضير
شارك سلام بن مشكم قادة بني النضير (مثل حيي بن أخطب) في المؤامرة الشهيرة لمحاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء صخرة عليه من فوق جدار أثناء جلوسه عندهم. وحين كشف الله نبيه هذه المؤامرة، حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وتم إجلاؤهم عن المدينة.
وكان سلام بن مشكم ممن جُليوا مع قومهم ورحلوا للتحصّن في "خيبر"، معقل اليهود المنيع شمالي الجزيرة العربية.
التحريض على غزوة الخندق (الأحزاب)
لم يقف أمر سلام بن مشكم عند الجلاء، بل كان جزءاً من الوفد الخيبري الذي ذهب إلى مكة ليتآمر مع قريش وغطفان وقبائل العرب لجمع جيش جرار "الأحزاب" لاستئصال المسلمين في المدينة، مستخدمين أموالهم وإمكانياتهم للتجييش والتحريض.
نهايته ووفاته في يوم خيبر
في السنة السابعة للهجرة، خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالمسلمين نحو خيبر للقضاء على وكر التحريض والفتن. وعندما حاصر المسلمون حصون خيبر، تولى سلام بن مشكم قيادة المواجهة الميدانية والتنظيمية داخل حصن "النَّطاة" (أحد أشد حصون خيبر امتناعاً وقوة).
وقام سلام بن مشكم يخطب في قومه ويحثهم على القتال والمقاومة مستنهضاً شجعانهم، وأبدى صموداً شديداً في الدفاع عن الحصن، وخرج بنفسه يقاتل المسلمين ويمد المقاتلين بالعتاد والتوجيه.
وفي أوج المعارك الشرسة عند حصن النطاة، دارت اشتباكات ضارية بين المسلمين والمقاتلين المدافعين، فُقتل سَلام بن مِشْكَم في المعركة على أيدي المسلمين قبل أن تسقط حصون خيبر، ليلاقي مصيره جراء عقودٍ من التحريض والعداء ونكث العهود.
ـــــــــــــ
إقرأ ايضاً